الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

109

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

علماء الشريعة يقفون عند ظاهر اللفظ ، وما دل عليه الكلام من الأمر والنهي والقصص والأخبار والتوحيد وغير ذلك . وأهل التحقيق أو الصوفية يقرون تفسيرهم هذا ويرونه الأصل الذي نزل فيه القرآن . ولكن لهم في كلام الله مع الأخذ بهذا التفسير الظاهري مذاقات لا يمكنهم إغفالها لأنها بمثابة واردات أو هواتف من الحق لهم . فلا ينبغي أن نقف القرآن على تفسير معين على أنه المراد ، فلا نقول كما يقول البعض : إن التفسير الظاهري وحده هو المقصود ، كما لا يرى أهل التحقيق أن تفسيرهم وحده هو المراد ، لأن القول بالتفسير الظاهري وحسب تحديد ( لكلام الله ) غير المحدود ، وإخضاع القرآن للغة التي مقياسها العقل المحدود ، والوقوف في تفسير كلام الله عند العقل المحدود عقال عن الانطلاق فيما وراه الغيوب ، وإغلاق الباب لمذاقات ليس العقل مجالها لأنها لا تخضع لمقاييسه وإنما تخضع لشيء آخر فوقه وتدرك بلطيفة أخرى سواه . إذن فهناك ما فوق العقل ألا وهو القلب . وليس المقصود بالقلب قطعة اللحم الصنوبري ، وإنما المراد به تلك اللطيفة النورانية الربانية . إنه القلب الذي لا تحده الحدود ، لأنه عرش استواء تجليات الرب على مملكة الجسم ، قال رب العزة في حديثه القدسي : ما وسعني سمائي ولا ارضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن « 1 » . وهو القلب الذي اختصه الله بالإسرار والذي يجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار ، سأل وابصة ابن معبد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن البر والإثم فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : يا وابصة استفت قلبك . البر ما اطمأنت اليه النفس ، واطمأن اليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك « 2 » . ذلك هو القلب المراد وله لغته ، كما أن للعقل لغته .

--> ( 1 ) - جامع العلوم والحكم ج : 1 ص : 365 . ( 2 ) - مسند أبي يعلى ج : 3 ص : 162 برقم 1587 ، انظر فهرس الأحاديث .