الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
545
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
[ من مواعظ الصوفية ] : يقول الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « افن عن الخلق بحكم الله تعالى ، وعن هواك بأمر الله تعالى ، وعن إرادتك بفعل الله تعالى ، فحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله تعالى . فعلامة فنائك عن خلق الله تعالى ، انقطاعك عنهم ، واليأس بما في أيديهم . وعلامة فنائك عنك وعن هواك ، ترك التعلق بالتسبب في طلب النفع ودفع الضر ، فلا تتحرك فيك بك ، ولا تعتمد عليك لك ، ولا تذب عنك ولا تتنفس لنفسك بل تكل ذلك كله إلى من تولاه أولًا فيتولاه آخراً . وعلامة فنائك عن إرادتك أن لا تريد مع إرادة الله تعالى سواه بل يجري فعله فيك وأنت ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر عامر البطن غنى عن الأشياء تقلبك يد القدرة ، ويدعوك لسان الأزل ويعلمك رب الملك ويكسوك من نوره حللًا وينزلك منازل من سلف من أولي العلم الأول فتكون أبداً منكسراً لا تثبت فيك إرادة غير إرادة الله تعالى فحينئذ يضاف إليك التكوين وخرق العادات فيرى ذلك منك في ظاهر الحكم وهو فعل الله حقاً في العلم ، وهذه نشأة أخرى ، فإذا وجدت فيك إرادة كبرت لوجودك فيها إلى أن يبلغ أجله فيحصل اللقاء . فالفناء هو حد ومرد وهو أن يبقى الله تعالى وحده كما كان قبل أن يخلق الخلق وهذه حالة الفناء ، فإذا مت عن الخلق قيل لك : رحمك الله تعالى ، وإذا مت عن الإرادة قيل لك : رحمك الله تعالى وأحياك ، فحينئذ تحيى حياة لا موت بعدها وتغنى غناء لا فقر بعده ، وتعطى عطاء لا منع بعده ، وتعلم علماً لا جهل بعده ، وتأمن أمناً لا خوف بعده ، وتسعد فلا تشقى ، وتعز فلا تذل ، وتقرب فلا تبعد ، وتعظم فلا تحقر ، وتطهر فلا تدنس » « 1 » .
--> ( 1 ) - الشيخ محمد بن يحيى التادفي الحنبلي قلائد الجواهر ص 61 60 .