الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
527
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
الْمُؤْمِنِينَ « 1 » قالوا : فارغاً من كل شيء الا من ذكر موسى . وهكذا كثيراً ما يعرض لمن دهمه امر من الأمور أما حب واما خوف وأما رجاء ، يبقى قلبه منصرفاً عن كل شيء الا مما قد أحب أو خافه أو طلبه ، بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره ، فإذا قوى على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده ، وبمشهوده عن شهوده ، وبمذكوره عن ذكره ، وبمعروفه عن معرفته ، حتى يفنى من يكن ، وهي المخلوقات المبعدة ممن سواه ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى ، والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره ، وفناؤه ان يدركها أو يشهدها ، وإذا قوى هذا ضعف المحب حتى يضطرب في تمييزه ، فقد يظن أنه هو محبوبه كما يذكر ان رجلًا القى نفسه في اليم فالقى محبه نفسه خلفه فقال : انا وقعت فما اوقعك خلفي . قال : غبت بك عني ، فظننت انك اني » . أليست تلك المقامات من حالات الفناء هي المقامات التي يرمى فيها المتصوفة بوحدة الوجود . يقول ابن تيمية خصم التصوف الأكبر : « فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته ، ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد » . وهل قال المتصوفة أكبر من هذا القول ، ومن عجب ان ابن تيمية ، يهاجم التصوف والمتصوفة ، لأنهم يقولون انهم في نشوتهم الكبرى لا يرون الا الله ويذهلون عما سواه ، أي نفس ما يقول ابن تيمية . انهم ليرون الله في كل شيء ، ومع ذلك يوقنون بأنه سبحانه فوق كل شيء ، وهذا أكمل درجات التوحيد . يقول ابن تيمية ايضاً في مجموعة رسائله : « واما قول الشاعر في شعره : انا من اهوى * ومن اهوى انا فهذا انما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي كاتحاد أحد المحبين بالاخر الذي يحب أحدهما ما يحب الاخر ، ويبغض ما يبغضه ، ويقول مثل ما يقول ، ويفعل مثل ما يفعل ، وهذا
--> ( 1 ) - القصص : 10 .