الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

464

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

ومن هنا انفصل الفقه عن التصوف أو انفصل المتصوفة عن الفقهاء واختلفا طريقاً ونهجاً ، وغاية وهدفاً . يقول ابن خلدون في مقدمته متحدثاً عن نشأة التصوف وعن سمات أصحابه : « واصله ان طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف . ولما نشأ الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا ، اختص المقبلون على الله بأسم الصوفية » . اختص المتصوفة بشهادة الكاتب الكبير ابن خلدون ، بالأخلاق الإسلامية التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم ، وبالإقبال على الله والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد فيما يتنافس فيه الناس بل فيما يتقاتل عليه القطيع العام من البشرية . واختص المتصوفة ايضاً بأنهم ربطوا بين العلم والعمل ، فالفقيه عندهم هو العالم العابد ، هو الذي ينبع ايمانه من قلبه لا من عقله ، هو الذي يطابق عمله علمه ، لأن العقيدة هي العمل ، ولأن التعبد شرط العلم الديني . كما امتاز المتصوفة بابتعادهم عن الجدليات اللفظية والتفريعات الافتراضية التي تباعد بين المسلم وجوهر دينه ، والتي تشغل العقل الإنساني عن واجبه الأول وهدفه الأسمى ، واعتبروها سفسطة دخيلة على الإسلام بعيدة عن روحه الفطرية السليمة ، أولى منه ثم أولى الاشتغال بما يطهر القلب ، ويزكي الجوارح ، ويلهم الروح طاعة الله والعمل على رضاه . وعلى ضوء هذه العقيدة آمن المتصوفة بأن رجال الفقه المتأخرين أو أكثرهم انحرفوا عن مناهجه الإسلامية ، ولو يقوموا بجوانبه التعبدية والأخلاقية ، فغدوا رجال قانون وتشريع لا رجال عقيدة ودين . عن عمران القصير قال : « سألت الحسن البصري عن شيء .