الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

289

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

تقتله مرة واحدة وذلك بالجهاد في سبيل الله لتستريح من هذا التعب المضني والمجاهدة اليومية والمنع والحظر والترويض والتأديب والتربية . ولما علم هذا العبد الصالح هذا عن نفسه ، رفض السفر للغزو والجهاد واشتغل بتربية نفسه وتأديبها ، أي من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، وإذا حكمنا بميزان الظاهر على هذا العبد أدين لتكاسله عن الغزو أما إذا ما تم الحكم عليها ظاهراً وباطناً وجدناه سائراً في طريق الله يبغي الثواب الأعظم « 1 » . فالشريعة والحقيقة صنوان لا بد لأحدهما من الآخر ، أما إذا أظهر الإنسان الطاعة الظاهرة بلا طاعة باطنة فإن ذلك معناه أنه خرج عن طريق الله ، لأنه قد وقع في الرياء الخفي ، لأن تطلع الإنسان وميله لإظهار الناس بطاعته وخصوصيته التي خصه الله بها من الأعمال الصالحة دليل على عدم صدقه في عبوديته ، لأن العبد الصادق لا يهتم بالآخرين ، ويكتفي بأن يعلم به رب العالمين ، ومن أحب أن يعرف الناس فضله وعمله فهو مراء ومن رغب في أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب ، إذ إن المؤمن الحقيقي هو الذي يخفي حاله ويجتهد في أن يجتهد في أن لا يذكره للناس وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما لديه من قوة . والإنسان الذي يعصي الله أخف ضرراً من هذا المرائي ، لأن العاصي إنما هو ظاهر للناس ، ويمكن أن يقام عليه الحد ، ويمكن أن يتوب ويرجع عن آثامه وأخطائه ، وأما مريض القلب الذي يظهر غير ما يبطن فهو أكثر نفاقاً وكذباً ورياء من العاصي فهو يستظهر الطاعات والأعمال الصالحات ويبطن الكفر والفسوق والعصيان . والطاعة مسابقة بين العباد في الظاهر والباطن ، فكما أن بين الناس اختلافاً واضحاً في الطاعات الظاهرة فإن بينهم أيضاً اختلافاً واضحاً في الطاعات الباطنية ، فإذا طلب الإنسان أعلى الدرجات ، فعليه أن يجتهد حتى لا يسبقه أحد بطاعة الله ، وقد أمر الله تعالى بالمنافسة والمسابقة في الطاعات إذ قال تعالى سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 2 » وقوله تعالى

--> ( 1 ) - الشيخ عبد الحميد الشرنوبي الأزهري شرح تائية السلوك إلى ملك الملوك - ص 72 . ( 2 ) - الحديد : 21 .