الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
399
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
والروح والحس والجوارح ، أنشودة تسبح بحمد الله لا تفتر ولا تهدأ لأن لحنها دائم الحياة في القلب ، دائم الحياة في الروح ، دائم الحياة في الادراك والحس . أنشودة تحيل الكون بأسره إلى آية ربانية . يلمسها القلب كما تراها العين وتسمعها الأذن . كما تدركها الروح . فإذا بكل شيء محراب . وإذا بكل شيء مصلى . وإذا بالصوفي لا يبرح المحراب ولا يفارق المصلى ، أينما توجه بوجهه وسبح بفكره . إنه دائم مع الله فهو متأدب بأدب من أحس يقيناً في كل لمحة بصر بأن الله معه يسمع ويرى . وما يأت بعد ذلك من علم وفيض . وما يأت بعد ذلك من خارقة أوكرامة ، وما يأت بعد ذلك من كمال روحي أو اشراق نفسي ، فهو نافلة ، لأنه وسيلة لا غاية ، وسلم لا هدف . فالمعارف الصوفية اذاً ثمرة الكمال في العبادة ومنحة الفيض في الطاعة وأنوار القلب في محبته ونجواه . إنها حلى الطريق ، لا أساسه وروحه . وإذاً فلا سبيل إلى إقامة صِلة من الصلاة بين التصوف الاسلامي وبين أي لون من ألوان الروحانية العالمية . ولا سبيل إلى المقارنة بين المعارف الصوفية الاسلامية وبين المعارف الفلسفية والنظرية العقلية التي جرت على وجه الأرض مع أعّنة التاريخ الانساني . فتلك المذاهب الفلسفية والعقلية ، قد استمدت معارفها من التفوق العقلي تارة ومن الصفاء الروحي تارة أخرى ، أما التصوف الإسلامي ، فمعارفه ، نَبْعُها ، عقيدته الإسلامية ، ومددها : فيض رباني داخل نطاق تلك العقيدة القرآنية ، وبأسرار عبادتها ، وبذلك تحددت رسالة التصوف وعرفت ضوابطها ، بينما أعنت المعارف الروحانية الأخرى ، لا تقبض عليها يد تتحاكم إليها ، ولم ترسم لها شريعة ترجع لها ولم تنبت معارفها في حقل إيماني سماوي يمنعها من النزوات والاندفاعات . التصوف الإسلامي آية ، سرها في الهدى القرآني والروحانية المحمدية ، وإني لأحسبه أحياناً آية كونية لأنه ضرورة لازمة لهذا الوجود وغاية من غايته وحجتنا قوله تعالى :