الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

397

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

ثم أن تأثير التصوف في حقل الفنون والعلوم كان عظيماً أيضاً . . . فالصوفيون يعيشون حتى في هذا العالم فيما يجوز أن يسمى ( باحة الفردوس الأمامية ) فهم من ثم يحيون في مناخ من السناء الروحي ، يتجلى جماله في كل ما يقولون ويفعلون ويعملون . والإسلام يتصل اتصالًا وثيقاً بالظاهرة الإلهية على اعتبار أنها ( الجمال ) وهذه الظاهرة تبرز على الأخص في المذهب الصوفي الذي هو نابع بطبيعة الحال من الإسلام ، ويضم من ثم ما هو جوهري فيه . أما ما يتميز به الأدب الصوفي ، شعراً كان أم نثراً ، من قيمة أدبية رفيعة ، وجمال فني رائع ، فلم يكن يوماً وليد المصادفة . . . ويلاحظ ما يقرب من هذا الوضع في حقول أخرى منها الموسيقى والفن المعماري وكتابة الخطوط ونحت المنمنمات ، الخ . ولقد كان لكثير من الفنانين المعماريين البارزين اتصال بالصوفية عن طريق نقابات البنائين والمعماريين ، وقد اتصل كثيرون من كبار الخطاطين والنحاتين بجماعات من الصوفيين ، وكان ذلك أحياناً بصورة مباشرة ، بمعنى أنهم التحقوا في حالات كثيرة ببعض الطرائق الصوفية ، وليس عن طريق نقابة ذات صلة بطريق من الطرائق الصوفية . أما الموسيقى فالشرع الإسلامي يجيزها فقط في حلقات ( السماع ) أو الأناشيد الروحية التي تقام بمقضى النظام الصوفي ، وعليه فالتراث الموسيقي العربي والفارسي وكذلك التركي ، أكثر ما تهذب وترقى عبر القرون ، على يد من كانوا على اتصال بالصوفية ، أو لازموا الاجتماعات الصوفية . . . إن المتصوفين هم أهل المعرفة الرصينة والبصيرة النافذة أو ( الذوق ) . . . فالصوفيون كانوا وما زالوا من رعاة الفنون ، وذلك ليس لأن هذه الرعاية هي أحد أهداف السلوك الصوفي ، بل لأن سلوك الطريق الصوفي يولد الشعور المتزايد بالجمال الإلهي الذي يتجلى في كل مكان ، والذي على ضوئه يصنع الصوفي أشياء ذات جمال يوافق جمال طبيعته الخاصة ، وينسجم في الوقت نفسه مع أصول الفن التقليدية التي تمثل بدورها جمال ( الفنان الأسمى ) . . » « 1 » .

--> ( 1 ) - د . سيد حسين نصر الصوفية بين الأمس واليوم ص 25 22 .