الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
352
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
والشيء الواحد له فضَّل حال دون حال فالكنيف [ المكان الوسخ ] لا فضَّل له في منتهى ، فإذا جعل مسجداً صار معظماً عند الله وحرم تنجيسه ووجب تعظيمه . وجلد الشاة يجعل منه نعلًا وحذاءً فيكون في منتهى الإهانة ويعمل جلداً للقرآن الكريم فيكون في منتهى الإكرام . والرجل يكون كسائر الناس فيبعثه الله بالنبوة فيوجب إطاعة أمره ونهيه ، أو ينصبه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعده خليفة ، أو المسلمون إماماً على أن تكون الإمامة باختيار الأمة في قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 1 » . ومن هذا القبيل البقعة من الأرض تكون كسائر البقاع ، فيدفن فيها النبي والولي فتكسب شرفاً وفضَّلًا وبركةً بدفنه لم تكن لها من قبل ، ويجب احترامها وتحرم إهانتها لحرمة من فيها ومن أحترمها . قصدها بالزيارة لزيارة من فيها ، وبناء القباب عليها والغرف حولها لتقي الزائرين من الحر والبرد ، وعمل الأضرحة فيها كي تصونها من كل إهانة ، وإيقاد المصابيح عندها لانتفاع زائريها واللاجئين إليها وجعل الخدمة والسدنة بها ، وتقبيلها والتبرك بها ووضع الخلع والثريات فوقها وغير ذلك . ومن إهانتها هدمها وهدم ما فوقها من البناء ، وتسويتها بالأرض ، وجعلها معرضة لوقوع القذارات ووطأ الدواب والآدمين وترويث الكلاب والدواب وبولهم وغير ذلك . وهل يشك في ذلك عاقل ، وهو يرى أن الله تعالى جعل احتراماً لصخرة صماء وبسبب وقوف إبراهيم الخليل عليه السلام حين بنى البيت فقال : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى « 2 » ، أفيجعل الله تعالى احتراماً لمقام إبراهيم عليه السلام ولم يجعل احتراماً لمقام سيد الأنبياء صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ ! وإذا كان له هذا الاحترام ، فلماذا حُرِمَ تقبيله والطواف والتبرك به والصلاة عنده ، ودعاء الله كما يصلي عند مقام إبراهيم عليه السلام ويدعو .
--> ( 1 ) - النساء : 59 . ( 2 ) - البقرة : 125 .