الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
48
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
فمن قطع إياه رأى الأشياء على حقائقها من جهة ذواتها ، لا بحسب نظره . وهذا محل نظر الأنبياء عليهم السلام ، وأما غيرهم من سائر الخلق ، فإنما يرى ما يراه باطناً وظاهراً ، نوماً ويقظة ، بحسب نظره لا بحسب المرئي في ذاته . فدرجة العوام رؤية الواحد كثيراً ، ودرجة الخواص رؤية الكثير واحداً ، وأعني بالخواص هاهنا : المنفردين عن الأنبياء ، وكلاهما مرض ، إذ يعرض للبصيرة ما يعرض للبصر ، كما يعرض من تغير المرائي لتغير لون الجليدية ، فتارة يتغير المتغير ألواناً ، والمرئي واحد في لونه ، وهو مثال درجة العوام ، وتارة يثبت على لون واحد ، فيثبت المرئي ضرورة ، وهو مثال درجة الخواص ، ومن هاهنا قالوا : إن الكل واحد . . . ولا صحة إلا مع الأنبياء ( عليهم السلام ) وأتباعهم الذين تركوا أهوائهم ، إذ نظروا إلى اختلاف الأشياء في ذواتها ، وهو الاختلاف الذاتي للمنظور ، لا الاختلاف العرضي للناظر ، ورأوا الجميع فاطراً واحداً ، ولم يروا الكل واحداً بل عن واحد » « 1 » . [ مسألة - 3 ] : في أن أبا يزيد أصبح مرآة نفسه يقول الشيخ أبو يزيد البسطامي : « كان الحق تعالى مرآة لي ثلاثين سنة ، وأصبحت الآن مرآة نفسي ، أي : لم أبق كما كنت قبل هذا ، فإن قولي : أنا الحق ، شرك ، فأنا ما فنيت أنا ، فالله تعالى مرآة ذاته . فإذا ما قلت الآن بأني مرآة نفسي فذلك حق ، إذ أنه يتكلم بلساني ، وإني غير موجود بين ذلك » « 2 » . [ تفسير صوفي ] : في تأويل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : المؤمن مرآة المؤمن « 3 » . يقول الشيخ عبد الله ميرغني : « قال صلى الله تعالى عليه وسلم : المؤمن مرآة المؤمن ، أي : هو صلى الله تعالى عليه وسلم مرآة ربه التي ظهر فيها وبه قطعنا بأنه من نور الذات ، أي : من تجليها فقط ، وأن غيره من نور الصفات أي : تجليها ، وأن تجلي الذات الحقيقي مختص به صلى الله تعالى عليه وسلم ليس لغيره فيه مقدار خردلة » « 4 » .
--> ( 1 ) - الشيخ ابن عربي شجون المسجون وفنون المفتون ص 120 119 . ( 2 ) - د . قاسم غني تاريخ التصوف في الإسلام ص 298 . ( 3 ) - الأحاديث المختارة ج : 6 ص : 179 . ( 4 ) - الشيخ يوسف النبهاني جواهر البحار في فضائل النبي المختار صلى تعالى عليه وسلم ج 4 ص 98 .