الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
297
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
فيأنس بالجهر ، والجاهل قد يكل فيستريح بالإسرار . وكذلك نقول في الذكر على هذا التفصيل ، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث . فإن قلت : قال الله تعالى : اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ « 1 » . قلت : الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : إنها مكية كآية الإسراء : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها « 2 » ، وقد نزلت حين كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله ، فأمر بترك الجهر سداً للذريعة ، كما نهى عن سب الأصنام لذلك في قوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ « 3 » ، وقد زال هذا المعنى ، وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره . الثاني : إن جماعة من المفسرين ، منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك ، وابن جرير حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن وإنه أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده الأصوات ويقويه اتصالها بقوله : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا « 4 » . قلت : وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة ، فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكوت باللسان إلا أن تكليف الذكر باق حتى لا يغفل عن ذكر الله ، ولذا
--> ( 1 ) - الأعراف : 205 . ( 2 ) - الإسراء : 110 . ( 3 ) - الأنعام : 108 . ( 4 ) - الأعراف : 204 .