الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

239

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ « 1 » ، فكان الصدق في الأول علما للخلق وفصلا بينهم وبين الإخلاص ، لأن الإخلاص موجود في صفة الخلق عند حالين : حال الاعتقاد والنية ، وحال الفعل والعمل فالإخلاص في صفة الصادق موجود في العقد غير منسوب إلى الصدق إلا بوجود [ أوائل الإخلاص في باطنه ] وباق عليه علم موارد الأشياء عند ممارسة الفعل بالجوارح والتخلص لفعله عن عوارض أضداد الإخلاص حتى سمي مخلصا . فأول الإخلاص أن يفرد الله تعالى بالإرادة ، والثاني : أن يخلص الفعل من الآفة ، فالصدق الذي هو عند الخلق صدق ، فرق بينه وبين الإخلاص ، والصدق الذي عند الله تعالى هو الصدق مع الإخلاص ، وقد يقال : فلان صادق لما يرى عليه من صفات العلم وبذل المجهود منه ، ولا يقال فلان مخلص لغيبة الخلق عن علم إخلاصه ، فالصدق مشهود في صفة الصادق ، والإخلاص معدوم من مشهده ، فالصادق موصوف بحسن صفات شاهده ، منسوب إلى الصدق بدلائل ظاهره ، مع وجود أوائل الإخلاص في باطنه ، باق عليه علم موارد الأشياء عند وروده ، يقبل ما وافق الأول من معنى قصده ، ويرد ما خالف علم ظاهره ، فالإخلاص يعلو الصدق لوجود زيادة العلم ، مع وجود قوة الرد لما عارض عن وسواس العدو ، لودود صفاء القلب ولا يعلو الإخلاص من شيء لأنه لا غاية في العبودية من حيث العبد فوق الإخلاص ، ولا يقال إخلاص المخلص ، لأنه لا غاية بعد الإخلاص ، وقد قال الله تعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ « 2 » ولم يقل ليسأل المخلصين عن إخلاصهم ، لأن غايته من الخلق فيما استعبدهم به ، فالإخلاص يعلو الصدق والصدق دونه . . . الصدق والإخلاص يتفقان في حال المخلص ، وينفرد الصدق بالصادق ، مع أول وجود الإخلاص ، فغاية وصف الموصوفين بالعبودية في الاستعباد هو الإخلاص ، والصدق في حقيقة صدقه يتولى بالإخلاص ، والمخلص في حقيقة إخلاصه يُتولى بالكفاية لوجود نفاذ البصيرة » « 3 » .

--> ( 1 ) - المائدة : 119 . ( 2 ) - الأحزاب : 8 . ( 3 ) - علي حسن عبد القادر رسائل الجنيد ص 50 47 .