الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

44

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

إن أوضح نص شرعي يكشف حقيقة المرتبة الوسطية للمحبة ومدى تأثيرها في حياة المريد الروحية هو قوله تعالى : ( لا يزال عبدي يتقرب ألي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ) « 1 » الحديث . والملاحظ في هذا الحديث انه نص على مراتب ثلاث : الأولى : مرتبة العبادة النفلية . الثانية : مرتبة المحبة . الثالثة : مرتبة الفناء في حضرة المحبوب . ومن المعروف أن لكل شيخ طريقة صوفية ، منهج تعبدي نفلي خاص به وبطريقته ، استنبطه من القرآن الكريم ، وأُذن له بالعمل به وتلقينه لمريديه ، وفي طريقتنا الكسنزانية يقوم هذا المنهج على الذكر الكثير آناء الليل وأطراف النهار بأقسامه الثلاث : اللساني والقلبي والعملي . فعندنا أن الذكر هو الحجر الأساس الذي يوصل إلى محبة المذكور ، فمن أكثر من ذكر شيء أحبه ، ولهذا جاء منهج الطريقة بأعداد كبيرة جداً من الأذكار والأوراد المأذون بها لمريدي الطريقة ، لأنها بالنسبة لهم النافلة التي يبتغون من ورائها الحصول على المحبة . إذاً بداية الطريق عندنا الذكر الكثير الدائم ، وذلك لأنه يجلو القلب بل يجلو الجوانح والجوارح كلها ويجعلها مستعدة لاستفاضة الإشعاعات النورانية للمحبة ، ولا يزال المريد يتقرب بهذه النافلة حتى تغمره تلك الإشعاعات على قدر ذكره وصفائه ، وعلى قدر قابليته واستعداده . إنها أنوار غير منفصلة عن مصدرها تمد من تنزل فيه بحلاوتها فتجعله يشعر بالقرب الروحي من نور السماوات والأرض ، بل وتجعله يلمس ذلك ويتذوقه ، ويرى من خلالها رأي العين الكثير من الحقائق الغيبية التي لا يراها ولا يشعر بها ولا يطلع عليها إلا المحبين خاصة .

--> ( 1 ) صحيح البخاري ج : 5 ص : 2384 برقم 6137 .