الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

307

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

الرحيم ، وما ذكرت إلا حيث ذكرها رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم على حد ما ذكرها اللَّه له بالوجهين من الوحي ، وهو وحي القرآن وهو الوحي الأول . فإن عندنا من طريق الكشف أن الفرقان حصل عند رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم قرآنا مجملا غير مفصل الآيات والسور ، ولهذا كان صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم يعجل به حين كان ينزل عليه به جبريل عليه السلام بالفرقان ، فقيل له : ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ) الذي عندك فتلقيه مجملا ، فلا يفهم عنك : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) فرقانا مفصلا : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) « 1 » بتفصيل ما أجملته فيَّ من المعاني . وقد أشار من باب الأسرار فقال : إنا أنزلناه في ليلة ، ولم يقل بعضه ، ثم قال فيها يفرق كل أمر حكيم ، وهذا هو وحي الفرقان وهو الوجه الآخر من الوجهين . . . واعلموا أن بسملة سورة براءة هي التي في النمل ، فإن الحق تعالى إذا وهب شيئا لم يرجع فيه ولا يرده إلى العدم ، فلما خرجت رحمة براءة وهي بسملة حكم التبري من أهلها برفع الرحمة عنهم ، فوقف الملك بها لا يدري أين يضعها ، لأن كل أمة من الأمم الإنسانية قد أخذت رحمتها بإيمانها بنبيها فقال : أعطوا هذه البسملة للبهائم التي آمنت بسليمان عليه السلام وهي لا يلزمها إيمان إلا برسولها ، فلما عرفت قدر سليمان وآمنت به أعطيت من الرحمة الإنسانية حظا ، وهو بسم اللَّه الرحمن الرحيم الذي سلب عن المشركين وفي هذه السورة الجساسة . وأما الطبقة الخامسة : وهي عين صفاء الخلاصة ، فذلك حرف الباء : فإنه الحرف المقدم ، لأنه أول بسملة في كل سورة والسورة التي لم يكن فيها بسملة ابتدئت بالباء فقال تعالى : ( بَراءَةٌ ) « 2 » قال لنا بعض الإسرائيليين من أحبارهم : مالكم في التوحيد حظ ، لأن سور كتابكم بالباء فأجبته : ولا أنتم فإن أول التوراة باء ، فأفحم ، ولا يتمكن إلا هذا ، فإن الألف لا يبتدأ بها أصلا . فما وقع من هذه الحروف في مبادئ السور قلنا فيه : له بداية الطريق ، وما وقع آخرا قلنا له : غاية الطريق . وإن كان من العامة قلنا له : وسط الطريق ،

--> ( 1 ) طه : 114 . ( 2 ) التوبة : 1 .