الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

211

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وأما رمي الجمار : فاقصد به الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية ، وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه . وأما ذبح الهدي : فاعلم أنه تقرب إلى اللَّه تعالى بحكم الامتثال . فأكمل الهدي وارج أن يعتق اللَّه بكل جزء منه جزءاً منك من النار ، فهكذا ورد الوعد . فكلما كان الهدي أكبر وإجزاؤه أوفر ، كان فداؤك من النار أعم . وأما زيارة المدينة . . . مثَّل في نفسك مواقع أقدام رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم عند تردداته فيها ، وأنه ما من موقع قدم تطؤه إلا هو موضع أقدامه العزيزة ، فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة ووجل . وتذكر مشيه وتخطيه في سككها ، وتصور : خشوعه ، وسكينته في المشي ، وما استودع اللَّه سبحانه قلبه من عظيم معرفته ، ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه ، وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته . وأما زيارة رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم : فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفنا . . . واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه سلامك وصلاتك ، فمثِّل صورته الكريمة في خيالك . . . وأحِضر عظيم رتبته في قلبك . ثم ائت منبر الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، وتوهم صعود النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم المنبر ، ومثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر ، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار رضي اللَّه عنهم ، وهو صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم يحثهم عل طاعة اللَّه عزّ وجلّ بخطبته ، وسل اللَّه عزّ وجلّ أن لا يفرق في القيامة بينك وبينه . فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج » « 1 » . ويقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدّس اللَّه سرّه : يقول صاحب الشيخ الشبلي قدّس اللَّه سرّه وهو صاحب الحكاية عن نفسه : قال لي الشبلي : عقدت الحج ؟ قال : فقلت : نعم ! فقال لي : فسخت بعقدك كل عقد عقدته منذ خلقت مما يضاد ذلك العقد ؟

--> ( 1 ) الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - ج 1 ص 265 - 272 .