الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

140

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

تتوسط بين حضرتين بالمعنى العقلي لا بالمعنى المكاني المحسوس ، وهذه هي طبيعته الخاصة . أما وظيفته فهي الفصل بين الأمرين والتوسط بينهما في نفس الوقت ، الفصل بينهما باعتبار وحدته الخاصة ، ووجوده بذاته - في كل من الطرفين المتقابلين . البرزخ بهذا المفهوم مجرد تصور ذهني واحد في ذاته يقوم بوظيفتي الوصل والفصل . وهذا المفهوم يجعل ابن عربي قادراً على إعطاء البرزخ - أو الخيال - بعداً وجودياً - بالمعنى العقلي - دون أن يقع في أي كثرة حقيقية بالمعنى الحسي العيني . إن الخيال هو الفاصل بين الذات الإلهية والعالم ، فهو بذلك يؤكد التمايز والثنائية ، وهو من جانب آخر يتوسط بينهما بذاته ، ويلتقي بكل منهما بذاته فيوحد بينهما . إن الخيال أو البرزخ قابل لكل الصفات المتقابلة ، وجامع لكل الثنائيات المتعارضة . وإذا كان ابن عربي - كما قلنا - ينطلق من ثنائية أولية بين الذات الإلهية والعالم ، فإن الوسيط القادر على تلقي طرفي هذه الثنائية بذاته هو الخيال . والخيال بهذا الفهم حقيقة كلية معقولة تتوسط بين كل ما يتفرع عن هذه الثنائية الأولية من ثنائيات ثانوية أو فرعية . وإذا كان الخيال باعتبار حقيقته العقلية يتحد بحقيقة الحقائق فهو من حيث وظيفته البرزخية من الجمع بين الأضداد والقابلية للوصف بكل المتعارضات يتوحد بالألوهة التي هي جماع الأسماء الإلهية . ومن السهل - كما سنرى - أن يلتقي مفهوم الخيال أيضاً بحقيقة العماء وبالحقيقة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . وهذه هي الحقيقة المعقولة - الخيال - يمكن أن تسمى بهذه الأسماء كلها . وتعدد الأسماء عليها إنما يدل على جوانب مختلفة لذات الحقيقة الواحدة التي لا تكثر فيها بأي حال من الأحوال . وإلى جانب الأسماء السابقة يمكن أن يطلق عليها اسم عالم الجبروت أي العالم الفاصل بين عالم الملك وعالم الملكوت ، أو عالم الشهادة وعالم الغيب ( فإن قلت وما عالم البرزخ قلنا عالم الخيال ويسميه أهل الطريق عالم الجبروت . وهكذا هو عندي ) « 1 » ومعنى ذلك أن مفهوم الخيال لا يقتصر على الوسائط الأربع التي يطلق عليها ابن عربي الخيال المطلق ، بل يمتد ليشمل كل الوسائط ابتداءً من عالم الخيال المطلق وانتهاءً إلى عالم الحس المدرك .

--> ( 1 ) الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 129 .