الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

174

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وقد انقسمت آراء المشايخ في علامات هذا الحال وثبوته على قسمين هما : الأول : ذهبوا إلى وجود علاقة جدلية بين الأنس بالحق والأنس بالخلق ، حيث رأوا أنه بقدر ما يخلو القلب من الأنس بالناس ويستوحش منهم يدخل فيه الأنس بالله ، فهما ضدان يقسمان القلب يتجاوران ويتداخلان بشكل جدلي . الثاني : ذهبوا إلى عدم وجود هذه العلاقة أصلًا ، فإن من ينال الأنس بالله لا يفقده أبداً في أي حال من الأحوال حيث يصبح متحققاً به في العزلة والملأ ، فلا يذهب أنسه بالله أُنسَهُ بالخلق لرؤيته جمال اللَّه تعالى في كل شيء . فآراء كلا القسمين صحيحة ولا تناقض بينها ؛ وذلك لأن كل رأي عبّر عن مرحلة من مراحل السلوك والتقرب إلى اللَّه وفي كل مرحلة يأخذ الأنس أَحكاماً خاصة . وهي كما يأتي : مرحلة الابتداء والسلوك : ويكون الأنس فيها متعلق بالأفعال والصفات الإلهية وليس الذات ، وهذا يستلزم الوحشة من الخلق . وفي هذه المرحلة قد يحول الإحساس بالأنس بتحول الأفعال والصفات ، وهذه المرحلة تدخل في الفرق الأول . مرحلة الوصول والانتهاء : يكون الأنس فيها متعلق بالذات ، وهذا الأنس يثبت بثبوت الذات ، ولكنه في نفس الوقت مصحوب بالوحشة الكاملة مما سوى اللَّه وهذا يحدث في مرحلة الجمع . مرحلة التحقيق والكمال : يكون الأنس فيها متعلق بالله تعالى ذاتاً وصفاتاً وأفعالًا ، وصاحب هذا الأنس هو الذي يستوي عنده الخلوة والملأ ، والغربة والوطن ، فلا يجد وحشة مع محبوبه إذ يشاهده في جميع الكائنات فيرى الوجود كله مواضع آثاره ، ومعالم أخياره ، ومواقع أنواره ، ومعادن أسراره ، وهذه المرحلة تحدث في الفرق الثاني ، أي : الرجوع بالحق إلى الخلق . ومن جهة أخرى يرى مشايخنا الكسنزانية ( قدس اللَّه أسرارهم ) : أن أنس المريد يكون بشيخه أولًا ؛ لأن ( الأنس بأهل ولاية اللَّه هو أنس بالله ) ، فإن تحقق أنسه بالشيخ