الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

170

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وقد حكي عن داوود الطائي أن أحد الدراويش رآه مرة مبتسماً فقال له : يا أبا سليمان من أين لك هذا الانشراح ؟ فقال داوود : « أعطوني الصباح شراباً يقال له شراب الأنس ، فاليوم يوم عيد أسلمت نفسي للابتهاج فيه » . ويبين لنا الإمام الغزالي أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة ، بيد أنها جميعاً تختلف بحسب نظرة المريد الصادق وما يغلب عليه في وقته ، وإذا غلب على حاله الأنس لم تكن له رغبة إلا في العزلة والخسارة والانفراد ، وذلك كما حدث لإبراهيم بن أدهم ، فقد سئل مرة : من أين أقبلت ؟ فقال : من الأنس بالله أذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش ، أي شعور بالغربة مع غير اللَّه ، ولهذا فإن أثقل الأشياء على المريد الصادق أن يجد في قلبه ما يعوق تلك الخلوة بالله ، ولذلك يقول أحد الصوفية : « يا من آنسني بذكره ، وأوحشني من خلقه » . وقال بعض الحكماء : يقول : « عجباً للخلائق كيف أرادوا بك بدلًا ؟ عجباً للقلوب كيف استأنست بسواك عنك ؟ » . وعلامة الأنس ضيق في الصدر من معاشرة الخلق ، والتبرم منهم ، وعدم الإحساس بعذوبة الذكر في مجلسهم ، وإذا أجتمع الأنس بالناس فهو وحيد مع الجماعة ، وجالس بينهم في وحدة ، كأنه غريب في مدينة ، وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة ، وغائب في حضور ، يخالط الناس بالبدن لكنه منفرد بنفسه وبقلبه ، مستغرق في عذوبة الذكر . ويروى عن علي بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه قوله في وصف أصحاب الأنس بالله : « هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعر المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدانهم ، أرواحهم معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء اللَّه في أرضه ، والدعاة إلى دينه . هذه هي علامات الأنس بالله ، وهذه حقائقها ومعناها » « 1 »

--> ( 1 ) د . حسن الشرقاوي - معجم ألفاظ الصوفية - ص 60 - 62 ( بتصرف ) .