الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

28

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

بالأصول لذلك كانت حاجة المسلمين ماسة بعد القرن الثاني من الهجرة لعلم التصوف ، وكان لابد أن يجتمع الزهاد والعباد ليرتبوا هذا العلم ويدونوه ، محافظة على التراث الإسلامي ، يقول ابن خلدون : « لما كُتِبت العلوم ودونت ، وألف الفقهاء في أصول الكلام والتفسير وغير ذلك ، كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقتهم . فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله المحاسبي في كتاب ( الرعاية ) . . . ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم في الأحوال ، وصار علم التصوف في الملة علماً مدوناً ، بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت في الكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك » « 1 » وهنا لا نستطيع أن نجزم بالتحديد ظهور المؤلفات الصوفية الاصطلاحية الخاصة إلا أننا نستطيع القول إن من أوائل ما ظهر كتاب ( الرعاية لحقوق اللَّه ) لأبي الحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 ه ) الذي كان من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم الإشارات وكان أستاذ أكثر البغداديين وكتابه يعتبر أول كتاب جامع لأبواب السلوك العملي في أسلوب علمي . ولو تتبعنا المصطلحات الصوفية في هذا القرن لوجدنا أن تطوراً في غاية الأهمية قد طرأ عليها وذلك هو حدّ المصطلح الصوفي بشكل بيّن وواضح من حيث المقاييس العلمية ، وذلك ناتج عن التطور الكبير الذي حصل لعلم التصوف نفسه في هذه المرحلة فقد ظهرت حالات صوفية جديدة كالاعتقاد بأن الزهد وترك الدنيا والعبادات بشكل عام ليست هي الهدف النهائي أو الغاية المقصودة من إيجاد الخلق بل إنها مقدمة لهدف أعلى ، وعلى أساسها ظهرت عقيدة عدم الاتكال على الطاعة بحد ذاتها لأنها من الممكن أن تكون نفسها حجاباً عن المعبود أحياناً . وظهر كذلك تعمق الاهتمام العظيم بالعشق والمحبة والقلب والذهول والهيام ، واعتبار كل شيء مظهراً للحق تعالى . إلى غير ذلك من العقائد

--> ( 1 ) ابن خلدون - المقدمة - ص 866 .