الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
26
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
( الكامل ) للمبرد ، ومنهم من أفرد أبواباً خاصة لحكم الزهاد ومواقف الوعاظ واصطلاحاتهم الرفيعة . والصبغة التي طلت مظهر المصطلحات في هذا القرن هي نفس الصبغة التي رأيناها تصبغ مصطلحات أهل الصفّة بشكل خاص والصحابة بشكل عام ، تلك هي أن القول أو العبارة أو الحكمة تعبر بجملتها عن مضمون ما سيعرف فيما بعد بالاصطلاح الصوفي ، فمثلًا الشيخ الحسن البصري قَدّس اللَّه سرّه وهو من أشهر شخصيات الصوفية التي تمثل روح أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني للهجرة ( ت 110 ه ) خير مثال على ذلك ، فمن أقواله : « مثقال ذرة من الورع السالم خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة » « 1 » ، فهو هنا يتحدث عما عرف فيما بعد بمصطلح ( الورع ) ، ومِثله الصوفي إبراهيم بن أدهم ( ت 161 ه ) والشيخ سفيان الثوري ( ت 161 ه ) والشيخ داود الطائي ( ت 165 ه ) والفضيل بن عياض ( ت 187 ه ) وشقيق البلخي ( 194 ه ) وغيرهم . فكانت أقوال صوفية هذا العصر من جنس وطبيعة أقوال العصر الأول ، إلا أنها تميزت عن العصر الأول بمميزات هي : أولًا : أنها كانت أكثر بكثير من أقوال الصحابة الذين شغلوا أكثر ما شغلوا بحفظ القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فلم تكن أقوال الصحابة فيما يتعلق بجوانب التصوف بمثل الكثرة في هذا العصر لاختلاف الظروف التي سبقت الإشارة إليها . ثانياً : تميزت حكم ومواعظ أو مصطلحات هذا العصر بالتركيز على ثلاثة جوانب رئيسية تتناسب ومرحلتهم التي كانوا يعيشون فيها ، وهي : أ . أقوال ومواعظ تدعو بشكل كبير إلى التوبة والاستغفار والرجوع إلى اللَّه . ب . أقوال تدعو إلى الخوف والرعب من أهوال يوم القيامة وعذاب النار . ج . أقوال تدعو إلى الحب الإلهي وتعتبر السيدة رابعة العدوية ( ت 185 ه ) على رأس الذين ساروا في هذا الطور حتى اشتهرت ب ( شهيدة العشق الإلهي ) .
--> ( 1 ) الإمام القشيري - الرسالة القشيرية - ص 92 .