عبد المنعم الحفني

34

المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة

الأولى كانت شركة أخوّة ، وتأثرت المسيحية بالرواقية ، والرواقيون قالوا بأخوة الناس جميعا في العالم بأسره ، ووصفوا الأخوّة بأنها شفقة الإنسان بأخيه الإنسان أينما كان ، وفي أي زمان ؛ والإنسان عضو في أخوّة عالمية هي الجماعة الإنسانية ، والإسلام يؤكد هذه الأخوّة ، فالنبي صالح عليه السلام أخو قوم ثمود ، وهود عليه السلام أخو قوم عاد ، وشعيب أخو قوم مدين ، ونوح عليه السلام أخ ، وكذلك الأخ لوط عليه السلام ، و الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( الحجرات : 10 ) ، يعنى في اللّه ، ألّفت بينهم العقيدة ، وأنهت خصوماتهم وقرّبتهم من بعضهم البعض ، فصاروا رحماء فيما بينهم ، وتحوّلوا إخوانا بنعمة اللّه ( آل عمران 103 ) . والمسلمون الأوائل تآخوا أنصارا ومهاجرين ، فكان الأنصاري ينزل لأخيه المهاجر عن نصف ماله ونصف بيته ويورّثه . والأخوّة عند الفيلسوف الإسلامي أبى طالب المكي يجعلها إيثارا وتضحية حتى بالحياة ، يقول : إن الناس ما كانوا يقولون هذا لي وهذا لك ، وإنما المال مال اللّه والكل فيه سواء ، ومن احتاجه لأمر استعمله ، لا ربا ، ولا شحّا ، ولا احتيالا ، والناس كما وصفهم القرآن : أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( الشورى 38 ) ، و « أَمْرُهُمْ » أي أمورهم ، جاءت بصيغة المفرد ، لأن هذا الأمر يستوى وذلك الأمر ، والشورى فيها جميعا وكأنها الأمر الواحد ، فهو أسلوب حياة بين الإخوة ، و « شورى » أي مشاع غير مقسوم ولا يستبد به ، سواء كان رأيا أو مالا ، فالواحد مثل الكل ، وهم جميعا سواء . وقوله « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » ، أي كانوا إخوة خلطاء في الأموال ، لا يتميز ملك هذا عن ملك ذاك ، والمال أصلا مال اللّه ، وكل أخ مستخلف فيه ، وأخوّتهم شركة ، ولا يعنى ذلك أنهم شيوعيون ، ولكنهم مجتمع متشارك socialistic وليس اشتراكيا socialist ، والفرق أن المجتمع المتشارك أو مجتمع الشركة لحمته وسداه الأخوّة ، والمجتمع الاشتراكى منذ روبرت أوين ( 1827 ) ، ووليام جودوين ، مجتمع يوتوبى ، يتساوى فيه الناس في الفرص وأمام القانون ، وأما مجتمع الأخوّة فهو مجتمع اجتماعي ، الناس فيه مسؤولون عن بعضهم البعض . ويصف المكّى في كتابه « القوت » بيتا من بيوت الإخوة هو بيت سعيد بن أبي عروبة يقول : « كان فيه الطعام معروضا للناس ظاهرا لهم ، واللحم مسلوخ ومعلّق ، والخبز متوفر ، وكذلك الثياب والأثاث » وجميع ما في المنزل مسبلا ، وكل من يدخل إليه من الإخوان ، إن شاء قطع من اللحم فشوى وطبخ ، وإن شاء أكل من الخبز بما وجد من الأدم ، وإن شاء لبس من الثياب ، فكان ذلك مشاعا في منزله لمن أراد تناوله ، والمريض ، والمقعد ، والفقير ، والمسكين ، والمعتوه ، قد يبقون ملازمين منزله على الدوام ، فقد أفرد لهم مكانا » . والذي وصفه المكي كان شأنا عاما ، فالتكايا كانت منتشرة ، يؤمها غير القادرين ، والمستشفيات ، والبيمارستانات ، وبيوت