عبد المنعم الحفني

159

المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة

فالذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى ، وإنما إنكار البعث هو من فلسفة الدهرية : وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ( الجاثية : 24 ) وأصحاب هذه الفلسفة يقولون : ما ثمّ إلا هذه الدنيا ، يموت قوم ويعيش آخرون ، ولا معاد ولا قيامة ، والأمم والشعوب دورات حياة ، والأفراد آجال ، ويتكرر ذلك بلا تناه ، وفي أمثالهم ، كأبىّ بن خلف ، أو العاص بن وائل ، نزلت الآية : ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( يس : 78 ، 79 ، 80 ) . ويروى ابن عباس عن العاص بن وائل : أنه أخذ عظما من البطحاء ففتّه بيده ، ثم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أيحيى اللّه هذا بعد ما أرى ؟ والآية تنبّه أيا من كان المنكر للبعث ، إلى أن يستدل بالبدء على الإعادة ، وأن لا ينسى كيف خلقه اللّه من العدم إلى الوجود ولم يكن شيئا ، وثمة دليل آخر ، فالذي بدأ خلق الشجر من الماء حتى صار أخضر ، ثم أعاده حطبا يابسا توقد به النار ، كذلك هو فعّال لما يشاء ، قادر على ما يريد ، لا يمنعه شئ . ويطلق البعث - بالاشتراك اللفظي كما هو الظاهر - على الجسماني والروحاني ، فالجسمانى هو أن يبعث اللّه تعالى بدن الموتى من القبور ، والروحاني هو إعادة الأرواح إلى أبدانها . ثم إنهم اختلفوا في أن الحشر إيجاد بعد الفناء ، بأن يعدم اللّه الأجزاء الأصلية للبدن ، ثم يعيدها ، أو أن الحشر جمع بعد التفريق ، بأن يفرق الأجزاء فيختلط بعضها ببعض ، ثم يعيد فيها التأليف ، ويدل عليه ظاهر قوله تعالى : إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( سبأ : 7 ) . وهذا عند من يقول بحشر الأجساد والأرواح ، وأما المنكر لحشر الأجساد ، فيقول : المعاد الروحاني عبارة عن مفارقة النفس عن بدنها ، واتصالها بالعالم العقلي الذي هو عالم المجرّدات ، وسعادتها وشقاوتها هناك ، بفضائلها النفسية ورذائلها . وتنحصر الأقوال الممكنة في مسألة المعاد في خمسة ، الأول : ثبوت المعاد الجسماني فقط ، وهو قول أكثر المتكلمين النافين للنفس الناطقة ؛ والثاني ثبوت المعاد الروحاني فقط ، وهو قول الفلاسفة الإلهيين ، ومنهم أفلاطون ؛ والثالث ثبوتهما معا ، وهو قول كثير من المحققين كالغزالى ، فإنهم قالوا الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة ، وهي باقية بعد فساد البدن ، فإن أراد اللّه حشر الخلائق خلق لكل واحد من الأرواح بدنا يتعلق بها ويتصرّف فيه كما كان في الدنيا ، وليس هذا تناسخا ، لكونه عودا إلى أجزاء أصلية للبدن وإن لم يكن هو البدن الأول بعينه ، على ما يشعر به قوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ( النساء : 56 ) ، وقوله تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ( يس 81 ) ؛ والرابع عدم ثبوت شئ منهما ، وهذا قول القدماء