عبد المنعم الحفني
103
المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة
خير الأمم وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ( البقرة 143 ) ، والوسط هو الخيار والأجود ، يعنى اخترناكم للقيام بمهمة الشهادة ، وأن تتوسطوا بين الأمتين اللتين سبقتا أمة الإسلام ، وهي الأمة اليهودية والأمة النصرانية ، والأولى قالت بالتوحيد ولكنها ضلت إذ جعلت اللّه إلها لليهود وحدهم ، وقالوا عن أنفسهم إنهم خاصة اللّه ، اصطفاهم واجتباهم لرسالته ، وهم أبناء اللّه وعدهم الأرض ، لا تقوى منهم ، ولكن لمحبته لهم وإيثارهم على العالمين ، فضلّوا وأضلّوا ، وأتعبوا الخلق أجمعين ؛ والثانية أمة النصارى ، طوّرت قول اليهود أنهم أبناء اللّه فاختصوا المسيح بهذه البنوة ، وقالوا فيه ما لم يقله عن نفسه ، ونسبوه إلى اللّه وقالوا هو ابن اللّه ، فألغوا واحدية الألوهية ، وعادوا إلى شرك الإغريق والرومان ، وأحيوا القول في زيوس كبير الآلهة ، فقالوا عنه الآب ، وتحدثوا في الأم والابن والعائلة المقدسة ، فهدموا التوحيد . فأما أمة الإسلام فأكدت التوحيد الذي نزل على اليهود ، وخلّصته من الضلال ، فقالت بأن اللّه ليس ربّ اليهود وحدهم وإنما هو ربّ العالمين ، وقالت إن اللّه لا يؤثر الأعجمى ، ولا الأصفر ، ولا الأحمر ، ولا الأبيض ، وإنما هو يؤثر التقىّ ، النقىّ ، الورع ، العفيف ، وهو المؤمن الذي يعمل صالحا ، فهذا هو الموعود بوراثة الأرض في الدنيا ، وثواب اللّه أفضل الثواب في الآخرة . ومن أجل ذلك كانت أمة الإسلام كما يقول اللّه : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ( آل عمران 110 ) ، والتعريف إذن للأمة الفضلى هو ما جاء بالآية الكريمة ، والأمم تتفاضل تفاضل الأفراد . ويأتي في التوراة استخدام مصطلح الأمة ( سفر التكوين 17 / 4 - 6 ) كأقدم استخدام للمصطلح ، في الوعد الذي قطعه اللّه على نفسه لإبراهيم أن يكثر نسله ، ويخرج من صلبه أمما ، وبذلك تسقط الدعوى بأن مصطلح أمة مشتق من الأمّ ، لأن الوعد كان للأب وليس للأم ، فلا صلة مباشرة بين كلمة أمّ وكلمة أمّة ، وإنما كانت دعواهم تلك تبريرا لقولهم أن اليهودي هو من تكون أمّه يهودية ، وبذلك يلغون أن يكون إسماعيل يهوديا ، ومن ثم لا يكون العرب يهودا ، وإنما اليهودي من كان مثل إسحق ، أمه عبرانية - أي يهودية ، ومن ثم فإسحق ونسله فقط هم العبرانيون أو اليهود ، ولا حجّة بأن إبراهيم هو الأصل ، وهو الأب لإسماعيل وإسحق معا . وأهمية أن يكون إسحق وأولاده من بعده هم العبرانيون دون سواهم - أو دون إسماعيل وأولاده ، أن يكون الوعد بالأرض المقدسة مقصودا به إسحق واليهود دون إسماعيل والعرب ، ونسوا أنه لما مات إبراهيم كفّنه ودفنه وورثه مع إخوته إسماعيل . ولضيق هذا المعنى للأم والأمة عند اليهود لم يرد في التوراة استخدامات لمصطلح أمة كالاستخدامات التي وردت في القرآن . وفي التوراة لا يوجد غير هذا المعنى : أن الأمة هي الجماعة ؛ في حين أن استخدامات القرآن للفّظة بلغت أحد عشر