جيرار جهامي ، سميح دغيم

2575

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

البعض مجرّد مؤسّسات اجتماعيّة خاصّة في مقابل الدولة وما يرتبط بها من مؤسّسات اجتماعية عامّة ؛ والبعض الآخر منهم استخدمه بمقابل مفهوم الريف . يظهر الاختلاف حول فحوى المدنيّة وأبعادها بين المفكّرين العرب والمفكّرين الغربيين من خلال مفهوم المواطنية في الغرب الذي حلّ محلّ سيادة مفهوم التابعية للطائفة أو الحزب أو المدينة . فالمواطنية ترتكز أساسا إلى مفاهيم الحرية والمساواة القانونية ، والعدالة والمشاركة والثقافة المدنيّة . إن هذا الالتباس الحاصل في فهم المجتمع المدنيّ ، وبالتالي مفهوم المدنيّة ، طرح تحدّيات واسعة تطاول بنية هذا المفهوم . فالكثيرون يعتبرونه مفتوحا كي يتصدّى لبنى ومؤسّسات تقليدية وحديثة ، بينما يعتبر غيرهم أن هذا المفهوم ينحصر ضمن أطر تأسّست حديثا لكي تعبّر عن الطابع التعاقدي على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي . لذلك شهد مطلع التسعينات ظاهرة نشوء مؤسّسات وجمعيات في العالم العربي تبحث عن استراتيجيات للتغيير ، مدفوعة بمحاولة البحث عن بديل للدولة التسلّطية وللمجتمع التقليدي المتخلّف عن مواكبة مفاهيم العصر . إن الإرث الاجتماعي المفروض على الفرد العربي في أساس التكوينات التقليدية لا يمكن تغييره بسهولة . فالعلاقات المسيطرة فيه هي علاقات مرتكزة على روابط الدم . من هنا نشأت الاعتمادية المفرطة لديه ، بحيث نجده يتّكل في تفكيره وشعوره وسلوكه على مرجعية الجماعة خوفا من الخطأ وطلبا للأمان . لا تزال المدنيّة ، ومسألة المجتمع المدنيّ ، إشكالية أساسية في فكرنا الحديث والمعاصر ، وإن كل أشكال المقاربات لتبيئة هذا المفهوم كان مصيرها الفشل حتى الآن لاصطدامها ببنية شرقية صلبة ذات تراكم تاريخي يمنع انفتاح المدنيّة على أبعادها المستجدّة في الغرب . * في الفكر النقدي - يرى ناصيف نصّار في كتابه « نحو مجتمع جديد » أن مفهوم المدنيّة يتضمّن عناصر اجتماعيّة وخلقيّة ونفسيّة ، كما ينطوي على أنماط من العمل الاقتصادي والسياسي والثقافي ، جميعها لازمة عن طبيعة المدنيّة . إن هذه النظرة إلى مفهوم المدنيّة تعكس إلى حدّ ما النمط الخلدوني الذي جعل من العمران الحضري ( تأسيس المدن ) تطوّرا على كل الصعد : إن من حيث التشكّل الاجتماعي ، أو من حيث الصيرورة الأخلاقية لأهل المدن ، وكذلك من حيث تكوّن مؤسّساتهم السياسية ( الملك ) والاقتصادية ( وجوه المعاش ) . إن المدنيّة هي الحضارة بعينها عند ابن خلدون ، إلّا أنها تبدو عند ناصيف نصّار أقلّ شمولا من مفهوم الحضارة ؛ هذا لأنها مرتبطة بظاهرة نشوء المدن ، بينما الحضارات القديمة في المجتمعات التقليدية كانت حاضرة وبقوّة . تعكس المدنيّة إذا عند ناصيف نصّار « هي البوتقة الذي تتشابك فيها الجماعات ، كما يقول ، وتتفاعل أفقيّا وعموديّا ، منصهرة في