جيرار جهامي ، سميح دغيم
2457
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
وتصوّر دوافع الجماعات والأفراد ، والحق أننا لو تتبّعنا ما يقوم به المؤرّخ في ذهنه حين يفسّر أحداث التاريخ لوجدناه يستخدم عمليّتين أساسيتين : الأولى تقوم في بذل مجهود يتولّاه الخيال والتعاطف ، بواسطته يضع المؤرّخ نفسه في روح الشخصيات أو الجماعات التاريخية . وعلى المؤرّخ أن يستعيد في نفسه المضمونات النفسانية التي أنتجت في الشخص الذي يدرسه . ويبدو أن هذا لا يكون ممكنا إلّا إذا كان المؤرّخ نفسه قد عاش تجارب ومضمونات مماثلة ، وهو ما يثار عادة تحت مشكلة : من هو الأقدر على فهم التاريخ ؟ من عاش أحداثا تاريخية وشارك فيها وأسهم في صنع التاريخ ؟ أو من لم يشارك فيها ، وكان مشاهدا محايدا « موضوعيّا » لها ؟ وهي من أعسر المشاكل القديمة في فلسفة التاريخ . والعملية الثانية أن نضع المضمونات المعاشة على أنها خارجة وراجعة إلى الغير . على أنه يلاحظ أنه ليس من الضروري أن تتميّز هاتان العمليتان تميّزا بارزا إذ الغالب أن تترابطا وأن تتكاملا . ( بدوي ، مدخل إلى الفلسفة ، 294 ، 14 ) . * تعليق * في التاريخ - لا نعرف عند المؤرّخين القدماء تعريفا جامعا مانعا يتناول توصيفا لمن يعمل في مجال التاريخ . فالتاريخ مع القدماء لم يرتق إلى مستوى نظري محدّد يجعل منه علما قائما بحدّ ذاته ، اللهمّ إلّا إذا استثنينا من ذلك موقف ابن خلدون منه . مع ابن خلدون تطرح صفات للمؤرّخ ومنها : - مآخذ متعدّدة ومعارف متنوّعة - حسن نظر - علم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات - علم باختلاف الأمم والبقاع - الإحاطة بالحاضر ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو الاختلاف - تمحيص الأخبار - تعليل الوقائع لمعرفة كيفية حدوثها - التحلّي بالموضوعية . وإلى قريب من هذه الصفات الملازمة للمؤرّخ ، ذهب بعض المؤرّخين مثل السبكي في جعل العلم والموضوعية وعدم التعصّب للآراء شروطا لتكوين المؤرّخ العدل . لا يختلف كلام بعض المشتغلين في علم التاريخ حديثا عمّا أوردناه سابقا ، مع التشديد من قبلهم على امتلاك ناصية العلم عند المؤرّخ ، وعلى تحصّنه أيضا بملكة النقد . * في الفكر الحديث والمعاصر - تناول مفكّر وعصر النهضة النظر إلى المؤرّخ وإلى صفاته من ناحية نقدية . لقد افترضوا أن النظرة النقدية للمسائل جميعا ، إن تناولها التاريخ أم لم يتناولها ، هي التي تعتقد بالتطوّر والتغيّر والتحوّل ، وهذا يفضي إلى كمال المؤرّخ . ذلك في مقابل نظرة تشغل نفسها بالرواية القصصية في التاريخ ، غير عابئة بما هو جار خلف الحوادث ، وغير مكترثة إلى روح التاريخ . * في الفكر النقدي - نظر في الفكر النقدي إلى المؤرّخ من حيث الدور الذي يلعبه في تشكيل الأحداث وتوليف معانيها . فإذا أردنا أن نفهم ما تقوم