جيرار جهامي ، سميح دغيم
2417
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
- إن اللغة لم تعد مجرّد ممثّل للمعرفة ، كما أن المعرفة لم تعد مجرّد تمثّل للأشياء . بكلام آخر لم تعد اللغة ممثّلا للتمثّل ذاته . بل أصبحت إمكانا للوجود بقدر ما تجسّد بيئة للفكر أو وسطا للفهم . وإذا شئت أن أتأول ذلك أقول بلغتي : إن علاقة الإنسان بوجوده هي علاقة لغوية ، سواء اتّصل الأمر بالعقل أو الحسّ ، بالوعي أو اللاوعي ، بالمعرفة أو بالممارسة . . من هنا يمكن القول بأن اللغة هي مفتتح الوعي ، وبأن الوعي بالأشياء هو نشاط رمزي لغوي . ( علي حرب ، الممنوع والممتنع ، 35 ، 2 ) . - اللغة كلها ، وليست البلاغة ، هي ساحة البرهنة ، قدرة الدلالة والتعبير . ومن يتقن الإفصاح ، يترسّخ وجوده أكثر فيما يعنيه ، ولدى من يريد أن يخاطبه . إنها شرط الهوية وبرهانها في آن واحد . ( مطاع الصفدي ، استراتيجية التسمية ، 255 ، 30 ) . - اللغة « لا تحتمل السكون » ، بل هي كالعرق الذي « ينبض بتجدّد دائم » . واغتناؤها المتواصل يتمّ في اتجاهات ثلاثة : 1 - تحت تأثير الثقافة . فبنموّ ملكة التفكير واقتدارها طردا مع الزمن تكتسب اللغة ما كانت لا تحوزه من قبل ، فتصدر أوتارها أنغاما جديدة وتتولّد من تراكيبها ، على ثبات قوانينها ، ترابطات مبتكرة ولا متوقّعة بين الأفكار . 2 - تحت تأثير دينامية الأجيال . فكل جيل يضيف إلى تراث الجيل الذي تقدّمه تراثا ، واللغات التي يتواصل تكوينها عبر الأجيال تتمخض عناصرها الصوتية عن مضامين أعمق فأعمق وعن حمولة في المعنى أغنى فأغنى . 3 - تحت تأثير عبقرية الأفراد من الكتاب الذين يضيفون باستمرار إلى قيمة اللغة فضل قيمة ويغنون مضمون الألفاظ ، هذا إن لم يبتكروا ألفاظا جديدة ويثروا قاموس اللغة . ولكن اللغة لا تتقدّم في اتّجاه واحد . فهي ، في حركة تجدّدها الدائب ، تنضو عنها مواتها وما اهتلك وفقد قيمته من ألفاظها وتراكيبها من جراء الاستعمال اليومي والبلاغة المحنّطة . ومن خلال حركة « المدّ والجزر » المزدوجة هذه تتقدّم اللغة بتقدّم الجنس البشري ، وتقدّم أداة محسّنة باطراد لتطوير نفسه من خلال تطويرها . ( طرابيشي ، إشكاليات العقل العربي ، 114 ، 15 ) . - اللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى ، وللذهنية التي ولّدته . ولا سيّما أن اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها ، فحملت معارفهم ، إنها بعد تركيبي ، لكنها معرفي تاريخي أيضا ، لم يضعه الفرد ، فهي خارجة عنه فاعلة فيه . . . . إنها نتاج عن الناس إبّان سيرورتهم التاريخية في مكان معيّن وضمن تجربة ما . ولمّا كانت صنيعا بشريّا فهي وضع ، وبما أنها تحصّلت من سير تاريخي فهي معارف شتّى لها خصوصياتها ، على أن ميدانها التفاعل الطبيعي الاجتماعي ، أي العمل والاتّصال ، فهي عملية وتجريبية ، إنها من العقل وفي العقل وللعقل ، لأنها بيانه . ( رفيق العجم ، المعرفية الإسلامية ، 30 ، 4 ) . - عندي أن الأمل المنشود هو أن تتطوّر اللغة بحيث تحقّق شرطين : أن تحافظ على عبقريتها الأدبية أولا ، وأن تكون أداة