جيرار جهامي ، سميح دغيم

2000

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

يكون الطعام كثيرا غاليا ، وقد يكون قليلا رخيصا . ( أبو يوسف القاضي ، الخراج ، 48 ، 20 ) . - ثم إنّ المصر إذا كان مستبحرا موفور العمران كثير حاجات الترف توفّرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها ، كلّ بحسب حاله ، فيقصر الموجود منها عن الحاجات قصورا بالغا ، ويكثر المستامون لها وهي قليلة في نفسها ، فتزدحم أهل الأغراض ، ويبذل أهل الرّفه والترف أثمانها بإسراف في الغلاء ، لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم ، فيقع فيها الغلاء كما تراه . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 876 ، 12 ) . - أمّا الصنائع والأعمال في الأمصار الموفورة العمران فسبب الغلاء فيها أمور ثلاثة : الأول كثرة الحاجة لمكان التّرف في المصر بكثرة عمرانه ؛ والثاني اعتزاز أهل الأعمال بخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها ؛ والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصنّاع في مهنهم . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 876 ، 14 ) . - إنّ المصر الكثير العمران يختصّ بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته ، ثمّ تزيدها المكوس غلاء لأنّ الحضارة إنّما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدولة لكثرة خراجها حينئذ كما تقدّم ؛ والمكوس تعود على البيّاعات بالغلاء ؛ لأنّ السّوقة والتجّار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مؤونة أنفسهم . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 889 ، 2 ) . - التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السلع إلّا ما تعمّ الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسوقة ، إذ في ذلك نفاق سلعته . وأمّا إذا اختصّ نقله بما يحتاج إليه البعض فقط ، فقد يتعذّر نفاق سلعته حينئذ بإعواز الشراء من ذلك البعض لعارض من العوارض ، فتكسد سوقه وتفسد أرباحه . . . . وكذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة أو في شدّة الخطر في الطرقات يكون أكثر فائدة للتجّار وأعظم أرباحا وأكفل بحوالة الأسواق . لأنّ السلعة المنقولة حينئذ تكون قليلة معوزة لبعد مكانها أو شدة الغرر في طريقها ، فيقلّ حاملوها ويعزّ وجودها ؛ وإذا قلّت وعزّت غلت أثمانها . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 930 ، 18 ) . * تعليق * في العلوم الاجتماعية والسياسية - لم يأخذ معنى الغلاء في أدبيات من كتبوا في الأموال والخراج بعده الاقتصادي والاجتماعي . فالغلاء حسب « أبو يوسف » صاحب كتاب « الخراج » هو من عند اللّه وهو أمر سماوي لا ندري كيف يقع . وكذلك بالنسبة إلى ابن سلام صاحب كتاب « الأموال » . لكن الأمر يختلف عند ابن خلدون حيث يبدو أن الغلاء له بعد اقتصاديّ وآخر اجتماعيّ جليّ . إن الغلاء مرتبط بوفرة العمران وبالحاجة إلى السلعة ، فإن مبدأ العرض والطلب هو الذي يحدّد سعر السلعة رخصا وغلاء . إن الترف من جهته يوفّر الدواعي على طلب الحاجيات فيبذل أهله