جيرار جهامي ، سميح دغيم
2122
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
التاريخ كما فعل الفخري وغيره . وإنما يرجع الفضل في استنباط هذا العلم إلى ابن خلدون . فإنه وضع في فلسفة التاريخ علما سمّاه « طبيعة العمران في الخليقة » فصّله في مقدمة تاريخه تفصيلا لم يسبقه أحد إلى مثله . ( جرجي زيدان ، آداب اللغة 3 ، 153 ، 11 ) . * في الفكر النقدي - حين نتحدّث عن فلسفة التاريخ نقصد تاريخ الإنسان ، لأنه الكائن الواعي الوحيد بين الموجودات ، ولا فلسفة حيث لا وعي ، ولهذا فلا محل للحديث عن « فلسفة » التاريخ بالنسبة إلى غير الإنسان . والإنسان بدوره تاريخي ، لأنه إنما يعمل في الزمان ، ولا تاريخ إلّا بالزمان . ( بدوي ، مدخل إلى الفلسفة ، 283 ، 4 ) . - الفلسفة ، كما تعلمون ، لا تتقيّد بالزمان بل تتعالى عليه . وفلسفة التاريخ ، بما أنها فلسفة ، فهي لا تتقيّد بالتحقيب التاريخي المعروف الذي يقيم فواصل شبه نهائية ، بل نهائية ، بين الماضي والحاضر والمستقبل ، بل تنظر إلى كلّية التجربة التاريخية ، إلى منطقها الداخلي ، إلى نزوعها الواعي واللاواعي . ( الجابري ، إشكاليات الفكر العربي المعاصر ، 116 ، 13 ) . * تعليق * في التاريخ - يعتبر فولتير ، الأديب والفيلسوف الفرنسي ، أول من استعمل مصطلح « فلسفة التاريخ » في القرن الثامن عشر ، وكان يومها يعني بذلك التحليل النقدي للتاريخ على اعتبار أن الفلسفة كمنهج تفكير بدأت تقترب من النقدية الابستمولوجية ، وكمضمون بدأت تطرح التاريخ العام للإنسان وتطوّره الحضاري . مع هيجل ، وهو الذي نشهد له أول كتاب يتكلّم في « فلسفة التاريخ » ، فإن هذه الفكرة تتضمّن ثلاثة منطلقات : 1 - الاعتماد على التاريخ الأصلي ، وذلك بنقل الأحداث كما يتصوّرها العقل 2 - التاريخ النظري وهو يتطلّب مجاوزة العصر لكي نؤرّخ لعصر آخر . 3 - التاريخ الفلسفي ويعني بذلك دراسة التاريخ من خلال الفكر ، وباعتبار أن الفكر وتطوّره هو التاريخ الفعلي . هذه الدراسة الهيغلية لفلسفة التاريخ قد نجد بعضا من مقدّماتها المنهجية ربما عند ابن خلدون . يظهر ذلك من خلال تحديد طبيعة المنهج الذي اشتغل به ، وفي الموضوع الذي يؤسّس المنهج . من ناحية المنهج ، انطلق ابن خلدون في قراءته لسابقيه من المؤرّخين ، عند تحديد المغالط والمفاسد التي ارتكبوها ، وهو بذلك أطلق العملية النقدية التاريخية . ومن خلال عرضه للمغالط والمفاسد أسّس موضوع التاريخ وهو علم العمران الذي غفل عنه المؤرّخون . انطلاقا من هذين الأمرين اكتملت معالم ظهور فلسفة التاريخ ، خصوصا عندما بدأ التمييز بين الإخبار والتاريخ . وفي هذا الإطار يرى ابن خلدون أن التاريخ يخضع لمبدأ السببية الذي يفتّش عن الأسباب الطبيعية للظواهر وللأحداث التاريخية . فالتاريخ كعلم ليس سردا لقصص وأخبار الدول والملوك ، وإذا « تعرّض