جيرار جهامي ، سميح دغيم

3265

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

- ليست الديموقراطية في أساسها عملية تسليم سلطات تقع بين طرفين معيّنين ، بين ملك وشعب مثلا ، بل هي تكوين شعور وانفعالات ومقاييس ذاتية واجتماعية ، تشكّل مجموعها الأسس التي تقوم عليها الديموقراطية في ضمير شعب ، قبل أن ينصّ عليها أي دستور ، والدستور ما هو غالبا إلّا النتيجة الشكلية للمشروع الديموقراطي عندما يصبح واقعا سياسيّا يدلّ عليه نص توحي به عادات وتقاليد ، ويمليه شعور في ظروف معيّنة ، ولا يكون أي معنى لهذا النص إن لم تسبقه التقاليد والعادات التي أوحت به ، أو بعبارة أخرى المبرّرات التاريخية التي دلّت على ضرورته . ومن هنا تبدو بكل وضوح تفاهة تلك الاستعارات الدستورية التي تستعيرها اليوم بعض الدول الإفريقية الآسيوية الناشئة ، التي تريد إنشاء الوضع الجديد في بلادها ، بالقياس على المنوال الذي تستعيره من بعض البلاد ذات التقاليد الديموقراطية العريقة . إن هذه الاستعارة تكون تارة لازمة ولكنها لن تكون بكل تأكيد وحدها كافية ، إن لم تصحبها الإجراءات المناسبة لبثّ ما يستعار في نفسية الشعب الذي يستعيره . ( ابن نبي ، القضايا الكبرى ، 144 ، 4 ) . - الديموقراطية هي تقييم روحي للإنسان . هذه هي الفكرة الأساسية التي ننطلق منها هنا . ولا تنجلي هذه الفكرة إلّا إذا تذكّرنا الوصف الشائع للديموقراطية : « بأنها حكم الشعب بالشعب وفي سبيل الشعب » . إن هذا الوصف يفترض قابلية الشعب لأن يحكم نفسه بنفسه حكما فاضلا ، وينطوي على التسليم بأهلية الإنسان للحكم الذاتي . وصورة الإنسان ، كما نراها في التاريخ ، وكما تبرزها لنا العلوم الاجتماعية ، تتعارض مع هذا الافتراض . ولذلك لا تستقيم الديموقراطية إلّا من خلال مفهوم روحي للإنسان يتحدّى التاريخ ، ويتعدّى المعارف الاجتماعية الأولية ، ويستدعي الإنسان أن يتجاوز ذاته ، في نفس الوقت الذي يقرّ فيه حقّه في الحكم الذاتي . ولا تكون الديموقراطية ولا تصير بدون هذا التجاوز الروحي للذات . وإذا تعذّر هذا التجاوز ، وانطلقت النفس انطلاقها العفوي ، الذي ألفناه في التاريخ ، وكشفته العلوم الاجتماعية ، استعصت الديموقراطية على التفكير والتطبيق . ويكفي أن نتذكّر التناقض بين المفترضات الديموقراطية والحقائق العلمية حول السلوك الإنساني ، لتبرز لنا خطورة المفارقة الديموقراطية . فالديموقراطية عقل وإقناع ، والتاريخ مختبر الإنسان الذي تحرّك بالقسر والإكراه أكثر مما تحرّك بالحكمة والبرهان . والديموقراطية مشاركة في الحكم في سبيل الخير العام . وعلم الأخلاق يرينا الإنسان مأخوذا بالخير الخاص أكثر مما هو مأخوذ بالخير العام . والديموقراطية وعي لمسؤوليات الحكم وممارسة بصيرة لها . وعلم النفس يرجّح أن سلوك الإنسان يصدر عن لا وعيه أكثر مما يصدر عن وعيه . والديموقراطية تعبير عن إرادة أكثرية الشعب وحقّها في أن تحكم محترمة حرية الأقلّية . وعلم الاجتماع يبيّن لنا أن الأكثرية هي غالبا سادرة ومقلّدة ، وأن