جيرار جهامي ، سميح دغيم

3154

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

المفهوم ينتمي إلى دائرة الألفاظ القديمة في التراث الإسلامي : فالسلف هم القدماء ، والخلف هم تابعوهم من المحدثين . وقد لحقته الصبغة الاصطلاحية فيما كان يعرف التاريخ الإسلامي بأصحاب الحديث الذين وجدوا في القرنين الثاني والثالث للهجرة ، والذين كانوا يدافعون عن ضرورة اتباع طريق السلف ( جيل الرسول والصحابة والتابعين الأوائل ) في أسلوب العقيدة والحياة . كما أنه يشير إلى الحركة الفكرية التي أسّسها أحمد بن حنبل وابن تيمية . وقد ازداد اتّساع دلالته بإطلاقه على الحركة الإصلاحية الحديثة ممثلة في محمد بن عبد الوهاب والشوكاني والمهدية والسنوسية . وهي حركات برزت في العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر ، واختلط فيها المنزع الديني السني بالمنزع الصوفي الطرقي ، وشكلّت قنوات شعبية للتعبير عن صور من الوعي الديني المنظّم . إلّا أن الإشارات السابقة كلها ، وإن كانت ترتبط بالمفهوم في مستوى التسمية ، فهي لا تؤسّسه في مستوى دلالته الفكرية المصطلحية المعاصرة . فقد اتّخذ المفهوم صورته الشائعة وتشبع بشحنته الدلالية شبه الثابتة في الفكر الإسلامي المعاصر عندما أطلق على الدعوة والحركة الإصلاحية التي ساهم في صياغة أطروحتها المركزية ، وأسسها ، ومفاهيمها ، المصلحان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده . انطلقت محاولة هذين المصلحين من محاولة تفسير واقع التأخّر الحاصل في العالم الإسلامي ، وقد اتفقا ، كل بطريقته الخاصّة ، على أن سبب التأخّر يعود إلى « ترك حكمة الدين » ، وهو ما يعني في نظرهما ترك العقيدة الإسلامية والتخلّي عن الإجتهاد ، وسيادة التقليد والجمود . لهذا دعا الأفغاني ومحمد عبده إلى تجديد وإعادة بعث الإسلام ، وقد كانت هذه الدعوة تمثّل في نظرهما محاولة في الانبعاث الذاتي ، بالاعتماد على ما يشكّل الثابت الروحي في حياة الأمة الإسلامية . ( كمال عبد اللطيف ، مفاهيم ملتبسة عربية ، 27 ، 2 ) . - شكّلت السلفية محاولة في تجديد العقيدة الإسلامية ، وانطلق دعاتها المؤسّسون في نهاية القرن الماضي من الإلحاح على ضرورة إعادة فتح باب الاجتهاد لمواجهة متغيّرات التاريخ . وتضمّنت محاولاتهم نقدا قويا لما أطلقوا عليه دين البدع ( أخلاق التواكل والطرقية ) ، ودعوة للعودة إلى النصوص المؤسسة للعقيدة الإسلامية ( القرآن والحديث ) والتجارب السياسية الأولى لنمط الحكم في الإسلام ( تجربة الخلفاء الراشدين ) ، وذلك من أجل محاولة تأويلها ، والتعلّم منها ، في ضوء متغيّرات التاريخ المعاصر . يقول جمال الدين الأفغاني : « لا بدّ من حركة دينية ، وهي اهتمامنا بقلع ما رسخ في عقول العوام ، ومعظم الخواص من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على وجهها الحقيقي ، وبعث القرآن وبثّ تعاليمه الصحيحة بين الجمهور ، وشرحها على وجهها الثابت من حيث يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وآخرة » . وفي هذا الإطار أصدر محمد عبده جملة من الفتاوى الفقهية