جيرار جهامي ، سميح دغيم

2097

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

فإذا ما أثّرت هذه الكائنات في الإنسان درسها علم التاريخ ، وإذا ما أخذت من حيث تطوّرها ونموّها الخاص عالجها علم الفلك أو علم التنجيم . بيد أن تأثير هذه الكائنات على الإنسان يدرسه علم التاريخ بذاته . في الفكر التأريخي يعتبر الإنسان كائنا اجتماعيّا ، أي ابن بيئته وحيّزه الاجتماعي المتكوّن من خلال العلاقات التي يقيمها البشر بين بعضهم البعض ، ومن خلال معتقداتهم وأساليب تفكيرهم وسلوكهم . فالإنسان قبل أن يكون كائنا عاقلا هو كائن اجتماعي ، كائن ينمو ويتطوّر من خلال علاقات ما . إن الفكر التأريخي هو صيرورة تدرس من خلالها ، ليس فقط الأبعاد الاجتماعية في حيّزها المكاني ، بل في ظرفها وزمانها . ونعني بالظرف جملة المعطيات والعوامل المؤثّرة في الظاهرة إن من جهة المكان أو من جهة الزمان . والزمن المقصود هنا ليس فقط التوقيت المجرّد ، بل هو الزمن الاجتماعي المرتبط بالحياة وبتطوّرها . إن موضوع الفكر التأريخي ليس الظاهرة التاريخية الجامدة إذا ، بل الظاهرة في صيرورتها أي من حيث تكوّنها بتراكمها المادي والكيفي المتضمّن لمعنى التغيّر والتبدّل . هذان التبدّل والتغيّر تتحكّم بهما علاقات معقّدة يسعى الفكر التأريخي إلى تفسيرها وتحليلها ؛ من هنا تنفذ هذه العلاقات إلى الأحداث الماضية من خلال عمقها الإنساني . يميّز عبد اللّه العروي بين مفهوم الفكر التأريخي وبين معنى التاريخانية . فالفكر التأريخي هو المتضمّن لرصد الأحداث التاريخية في تسلسلها ومسؤولية الإنسان فيها ، والأحداث التاريخية ينظر إليها من حيث صيرورتها ؛ بهذا المعنى الإنسان هنا هو الذي يصنع التاريخ . أما التاريخانية فهي التي تطرح حتمية حدوث الظواهر التاريخية ضمن قوانين ضابطة للمسار مستقبلا وحاضرا ، وبذلك ينتفي أثر الأفراد في سير الحوادث التاريخية وتكوينها . فكر دينيّ * في الفكر النقدي - إن معضلة الفكر الديني أنه يبدأ من تصوّرات عقائدية مذهبية عن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية وعلاقة كل منهما بالأخرى ، ثم يتناول النصوص الدينية جاعلا إياها تنطق بتلك التصوّرات والعقائد . وبعبارة أخرى نجد المعنى مفروضا على النصوص من خارجها ، وهو بالضرورة معنى إنساني تاريخي يحاول الفكر الديني دائما أن يلبسه لباسا ميتافيزيقيّا ليضفي عليه طابع الأبدية والسرمدية في آن واحد . ( أبو زيد ، نقد الخطاب الديني ، 190 ، 2 ) . - يبدو أن الفكر الديني فكر طولي تراجعي ، في حين أن الفكر العلمي فكر دائري تقدّمي . ولماذا يكون التسلسل إلى ما لا نهاية مرفوضا ؟ إنه يمكن الذهاب إلى العلل المباشرة ثم إلى العلل الأولى دون أدنى حرج علمي ، وتكون صورته العلم بقدر البحث عن علل أولى للعلل المباشرة . بل إن