جيرار جهامي ، سميح دغيم
964
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الصناعية . ذاك مصطلح كان مطروحا منذ القرن الثامن عشر على الوعي الفلسفي ، ومن وجهة نظر الفلسفة . لكن تلك الموضوعة الفلسفية سادت عندنا أيضا حاملة اسم التحديث أو التمدين ؛ وسمّاها بعضهم الإصلاح ، وهناك من سمّاها يقظة أو نهضة . يعالج خطاب الفلسفة العربية الراهن قضية الحداثة ؛ وهي تنوير . فالحداثة في الفلسفة ، وليس فقط الحداثة في الأدب أو في العلم والفن والجماليات ، اهتمام راهن يشغل حيّزا ويتمثّل بمجموعة من مفكّرينا المنتجين . ثم انتقل نفر إلى الإنتاج تحت مصطلح « ما بعد الحداثة » الذي هو يرادف أو يذكّر ، يتوازى أو يستدعي مصطلحا محليّا هو ما بعد التنوير أو مرحلة التجربة الحضارية الراهنة للذات العربية ( منذ منتصف الستينات تقريبا ، تبعا لتحقيب « اصطناعي » وظيفي ) . وهكذا فإن التنظير من أجل الحداثة أو التثوير غير جديد ؛ ولا ظاهرة خاصة بأمة أو بمجتمع ، بمعنى أو بتاريخ . فالعقل ، أو الفكر ، لا يتوقّف : لا يجوز له أن يتوقّف عند القائم المؤسّس ، ولا التوقّف عن النقد والمحاكمة والتغيير . وما هو ماثل حاضر يستثير ما هو مغاير : فالاثنان يستدعيان بعضهما البعض الآخر . ( علي زيعور ، الفلسفة في الذات العربية ، 497 ، 7 ) . - من خصائص الحداثة ، الغوص على المعاني ، والانفراد بمذهب مخترع . واقترنت الحداثة كذلك بالعلم والثقافة ، بعامّة ، أو المزج بين « الألفاظ العربية والمعاني الفلسفية » ، بطريقة استخدام اللغة استخداما جديدا يؤدّي إلى اقتران الكلمات اقترانا غير مألوف مما يبتعد باللغة عن صيغها القديمة ومجراها العادي . ( علي سعيد ، الثابت والمتحول 2 ، 203 ، 18 ) . - من الخصائص الأساسية للحداثة أنها تمثّل سياقا مرحليّا يتم فيه الانتقال من نمط للمعرفة إلى نمط آخر مختلف جذريّا ، وهو بمثابة انقطاع عن أساليب التفكير التقليدية ( غير علمية ) وتبنّ لأساليب تفكير جديدة ( علمية ) . وقد عانى المجتمع العربي هذه التجربة من ثلاث زوايا رئيسية : زاوية الهوية ، وزاوية التاريخ ، وزاوية أوروبا أو الغرب . ( هشام شرابي ، البنية البطركية ، 24 ، 7 ) . - ابتداء ، تنبثق الحداثة من اللحظة التي تتمرّد فيها الأنا الفاعلة للوعي على طرائقها المعتادة في الإدراك . سواء أكان إدراك نفسها ، من حيث هي حضور متعيّن فاعل في الوجود ، أو إدراك علاقتها بواقعها ، من حيث هي حضور مستقلّ في الوجود . على المستوى الأول ، تبدأ الحداثة من انقسام الوعي المتمرّد على نفسه ليصبح ذاتا فاعلة وموضوعا منفعلا ، ذاتا فاعلة تعيد إنشاء موضوعها الذي هو هي من ناحية ، وتعيد صياغة أدوات إنتاج معرفتها بهذا الموضوع من ناحية أخرى . وعلى المستوى الثاني ، فإن الوعي المنقسم على نفسه ينشقّ على واقعه ، فيتمرّد على أدوات إنتاج المعرفة السائدة في هذا الواقع وعلاقاتها ، ويبحث عن أدوات جديدة يؤسّس بها معرفة مغايرة ، تحرّره في علاقته بنفسه على المستوى الأول ، وعلاقته بواقعه على المستوى