جيرار جهامي ، سميح دغيم

808

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

الملك ، الثقافة الوطنية ، 387 ، 12 ) . - بغض النظر عن أن الثقافة تلخّص تجربة المجتمع ووعيه بذاته ومحيطه ، فهي تشكّل أيضا . . . نافذة يطلّ منها الباحث على كل نواحي الحياة العلمية والسياسية والاقتصادية والروحية للمجتمع بما هي تسجيل أو سجل للقيم الأساسية التي تحكم الممارسة العلمية والسياسية والإنتاجية ، وتشكّل إذن وبامتياز لحمة الجماعة الأساسية . ولا يعني أخذ الثقافة كميدان رئيسي لطرح مسألة النهضة العربية ، أن النهضة الثقافية ( أو الثورة الثقافية كما يتردّد اليوم ، أو التحرّر العقلي ، أو كسب العقلانية ) هي بالضرورة أساس النهضة الحضارية والمادية . ولو أن البعض يقع في هذا الخطأ . ولكنه يعني في الواقع ، وكما يطرح الموضوع منذ أكثر من قرن ، تحديد علاقة الثقافة بالنهضة ، ودورها فيها . ( برهان غليون ، اغتيال العقل ، 21 ، 7 ) . - الثقافة هي جملة الأنماط ( القيم والقواعد والأعراف والتقاليد والخطط . . . إلخ ) التي تبدع وتنظّم لدى جماعة ما حقل الدلالات ( العقلية والروحية والحسّية ) ، وتحدّد بالتالي لدى هذه الجماعة أسلوب استخدامها لإمكانياتها ( البشرية والمادية ) ونوعية استملاكها لبيئتها . ويكون نجاح الثقافة وتطوّرها بقدر فاعليتها في تحقيق الاستخدام الأمثل لإمكاناتها ( الجماعة ) ، وهو ما ينعكس في قدرتها على التحكّم بنفسها أي بصراعاتها الذاتية وبيئتها الخارجية ، وفي تمكّنها من السيطرة على مصيرها . فإذا انعدمت هذه السيطرة ، وهي أصل المبادرة التاريخية وحرّية الإرادة ، فقدت الجماعة تدريجيّا ثقتها بثقافتها وبالقيم المتجسّدة فيها ، وكان ذلك إعلانا عن تخلّيها عنها واندماجها في ثقافات وشعوب أخرى ، أو بداية لتحلّلها كمجتمع مدني واستسلامها للعنف كمبدأ وحيد ممكن لتنظيم علاقاتها الداخلية . فالثقافة بهذا المعنى مصدر المدنيّة . ( برهان غليون ، اغتيال العقل ، 88 ، 3 ) . - إن بداية النهاية لأية ثقافة ، هي حينما تتّجه إلى اختزال وقائعها ومفاهيمها في البحث عن الأشكال المتوافقة أو المنطبقة مع مفاهيم وأشكال الثقافات الأخرى دون الالتفات إلى الشروط التاريخية والاجتماعية لكلتا الثقافتين . فأفق المغايرة والاختلاف من الآفاق المهمّة لأي ثقافة ، لأنه يوجّهها إلى أسئلتها الخاصة ، وتحدّياتها الملحّة ويدفع باتّجاه الحوارات النقدية الواعية مع الثقافات والمكوّنات المعرفية الأخرى . ( محمد محفوظ ، الفكر الإسلامي والمستقبل ، 19 ، 10 ) . * تعليق * في الفكر الحديث والمعاصر - إن شمولية الثقافة أدّت إلى تباين النظرات التقويمية حولها . فهي فردية وجماعية معا ، عقلية وجدانية وحيوية ، مادية وروحية ، مرغوبة مكتسبة وتطبّعية . لذا فأهمّيتها تكمن في ضرورة وجودها وإيجادها ، كذلك تنميتها وتطويرها وتحصيلها ، دفاعا عن الماضي وإصلاحه ، عن الأصيل والمحدث ، الثابت والمتحوّل ، التقليدي والجديد . لا تتوقّف الثقافة هذه عند حدود معيّنة .