جيرار جهامي ، سميح دغيم
672
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
وترجع ذلك إلى قوانين وضعية طبيعية لا دخل للإرادة الإنسانية فيها . فالتاريخ عند ابن خلدون علم له قواعد وأصول ، وكذلك المجتمعات البشرية أو العمران البشري الذي هو موضوع التاريخ . فليس الأفراد هم الذين يصنعون التاريخ ، بل إنهم مصنوعون في التاريخ ، يتعاقبون بعضهم وراء بعض ضمن شروط وظروف حتمية تمرّ بها المجتمعات دون أن يكون لهم تأثير كبير عليها إلّا بمدى وقوعهم في ظروف تاريخية طبيعية . والمقصود بذلك أن عزّ الدولة العباسيّة أيّام هارون الرشيد لا يعود إلى قوّة وعظمة هارون الرشيد ، بل يعود إلى أن الدولة العباسية في فترة هارون الرشيد كانت تمرّ بمرحلة عزّ طبيعية عائدة إلى طبيعة تطوّر المجتمع البشري وما يفترضه قانون التطوّر الطبيعي . تعاون * في اللّغة - راجع مصطلح « استعانة » . * في العلوم الاجتماعية والسياسية - ليست تصلح الرّعيّة إلّا بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرّعيّة ، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه ، وأدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقّ بينهم وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، وطمع في بقاء الدّولة ، ويئست مطامع الأعداء . وإذا غلبت الرّعيّة وإليها ، أو أجحف الوالي برعيّته ، اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الإدغال في الدّين ، وتركت محاجّ السّنن ، فعمل بالهوى ، وعطّلت الأحكام ، وكثرت علل النّفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل ، ولا لعظيم باطل فعل ! فهنالك تذلّ الأبرار ، وتعزّ الأشرار ، وتعظم تبعات اللّه سبحانه عند العباد . فعليكم بالتّناصح في ذلك ، وحسن التّعاون عليه ، فليس أحد - وإن اشتدّ على رضى اللّه حرصه ، وطال في العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللّه سبحانه أهله من الطّاعة له . ولكن من واجب حقوق اللّه على عباده النّصيحة بمبلغ جهدهم ، والتّعاون على إقامة الحقّ بينهم . وليس امرؤ - وإن عظمت في الحقّ منزلته ، وتقدّمت في الدّين فضيلته - يفوق أن يعان على ما حمّله اللّه من حقّه . ولا امرؤ - وإن صغّرته النّفوس ، واقتحمته العيون - بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه . ( الإمام علي ، نهج البلاغة ، 334 ، 6 ) . - إنّ الأفعال والملكات الإراديّة ليس يمكن أن يبلغ بها الغرض دون أن تتوزّع أنواعها في جماعة عظيمة : إمّا واحد واحد منها على واحد واحد من الجماعة ، أو واحد واحد على طائفة طائفة من الجماعة ، حتّى يكون تعاون طوائف الجماعة بالأفعال والملكات التي فيها على تكميل الغرض بجملة الجماعة كتعاون أعضاء الإنسان بالقوى التي فيها على تكميل الغرض بجملة البدن ، وأنّه يلزم لذلك أن يكون الجماعة متجاورين في مسكن بالتجاور واحد . ويحصي أصناف الجماعات المتجاورة في مسكن واحد ، وأنّ منها جماعة مدنيّة ومنها جماعة أميّة وغير ذلك .