جيرار جهامي ، سميح دغيم
606
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
جميعا خلفا لسلف . وهكذا فإذا كان « الإرث » ، أو « الميراث » ، هو عنوان اختفاء الأب وحلول الابن محلّه ، فإن التراث قد أصبح ، بالنسبة للوعي العربي المعاصر ، عنوانا على حضور الأب في الابن ، حضور السلف في الخلف ، حضور الماضي في الحاضر . . . ذلك هو المضمون ، الحي في النفوس الحاضر في الوعي ، الذي يعطى للثقافة العربية الإسلامية عندما ينظر إليها بوصفها مقوّما من مقوّمات الذات العربية وعنصرا أساسيّا ورئيسيّا من عناصر وحدتها . ومن هنا ينظر إلى « التراث » لا على أنّه بقايا ثقافة الماضي ، بل على أنه « تمام » هذه الثقافة وكليتها : إنّه العقيدة والشريعة ، واللغة والأدب ، والعقل والذهنية ، والحنين والتطلّعات . وبعبارة أخرى إنه في آن واحد : المعرفي والإيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية . ( الجابري ، التراث والحداثة ، 24 ، 4 ) . - إن التراث قد وظّف في الخطاب النهضوي العربي الحديث توظيفا مضاعفا : فمن جهة كانت الدعوة إلى الأخذ من « التراث » والرجوع إلى « الأصول » ميكانيزما نهضويّا ، عرفته اليقظة العربية الحديثة كما عرفته جميع اليقظات النهضوية المماثلة التي عرفها التاريخ ، ميكانيزما قوامه الانطلاق ، في العملية النهضوية ، من الانتظام في « تراث » والعودة إلى « أصول » للارتكاز عليها في نقد الحاضر والماضي القريب منه الملتصق به ، والقفز بالتالي إلى المستقبل . ومن جهة أخرى كانت الدعوة نفسها ردّ فعل ضدّ التهديد الخارجي الذي كانت تمثّله ، وما تزال ، تحدّيات الغرب ، العسكرية والصناعية والعلمية والمؤسّساتية ، للأمة العربية ومقوّمات وجودها ، مما جعل تلك الدعوة إلى « التراث » و « الأصول » تتّخذ صورة ميكانيزم للدفاع عن الذات . وهكذا فالظروف الموضوعية التي حرّكت اليقظة العربية الحديثة قد جعلت من آلية النهضة فيها آلية للدفاع أيضا ، وبالتالي لعملية الرجوع إلى « الأصول » وإحياء « التراث » التي تتمّ ، في الحالة العادية للنهضة ، ضمن إطار نقدي ومن أجل التجاوز . إن هذه العملية قد تشابكت ، في حالة النهضة العربية الحديثة ، فاندمجت مع عملية الاحتماء بالماضي والتمسّك بالهوية تحت ضغط التحدّيات الخارجية ، فأصبح « التراث » هنا مطلوبا ليس فقط من أجل الارتكاز عليه والقفز إلى المستقبل ، بل أيضا بالدرجة الأولى من أجل تدعيم الحاضر : من أجل تأكيد الوجود وإثبات الذات . ( الجابري ، التراث والحداثة ، 25 ، 1 ) . - « التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي ، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا ، سواء القريب منه أم البعيد » . هذا التعريف عام . . . فهو يشمل التراث المعنوي ، من فكر وسلوك ، والتراث المادي ، كالآثار وغيرها ، ويشمل التراث القومي ( ما هو حاضر فينا من ماضينا ) والتراث الإنساني ( ما هو حاضر فينا من ماضي غيرنا ) ، كما يربط تراث الماضي بالحاضر مباشرة : فليس التراث هو ما ينتمي إلى الماضي البعيد