جيرار جهامي ، سميح دغيم
1192
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الديني بدعوى الحقيقة المطلقة الشاملة التي يمثّلها ، ولجأ إلى لغة الحسم واليقين والقطع ، وهنا يذوب الغشاء الوهمي الذي يتصوّر البعض أنه يفصل بين الاعتدال والتطرّف . وإذا كان البعض يرى أن وصف الآخرين بالكفر ، حتى لو كانوا يختلفون في عقائدهم ومنطلقاتهم الفكرية معنا ، تطرّف وتعصّب ، بل ومسلك غير متحضّر ، فإن الخطاب الديني يرى أن هذا المسلك من أسس الإيمان الديني . ( أبو زيد ، نقد الخطاب الديني ، 45 ، 13 ) . - يبدو أن الأديان النبوية قد انبثقت أساسا من الحاجة إلى تغيير وضع راهن تعسّفي وحالات سيّئة بوسائل عملية أخلاقية . لذلك يفقد الخطاب الديني مصداقيته عندما يترك دوره النقدي ويتحوّل إلى سلطة ثيوقراطية ، وإلى نظام ساكن من الشرائع والشعائر والعقائد والمذاهب ، ويدمّر فعاليته الإيجابية عندما يصبح غاية بحدّ ذاته ، لا رؤية مضيئة وإرشادا منيرا لازدهار دنيوي وسعادة إنسانية . باختصار ، لم يقصد الدين النبوي في الأصل أن يبرّر الظلم والاضطهاد ويشرعن سلطات مجحفة . لقد ظهر في الأصل كحركة تاريخية محاولا أن ينقد ويتحدّى ويغيّر أوضاعا كانت مسؤولة عن تدمير القيمة الإنسانية والازدهار الإنساني . ( وليم الشريف ، المسيحية الإسلام والنقد ، 117 ، 2 ) . خطاب سلفيّ * في الفكر النقدي - عاملان تاريخيان أساسيان ساهما في تشكّل الخطاب السلفي : العامل الذاتي الداخلي المتعلّق بمحاولة التفكير في أحوال « الانحطاط الإسلامي » ، والعامل الخارجي المتعلّق بالتدخّل الأجنبي ، والهيمنة الاستعمارية بكل ما تحمله من عناصر الهجوم والغزو ، وتمزيق أوصال المجتمع وبنيانه . وقد شكّل الخطاب السلفي محاولة في التعبير عن موقف إصلاحي من مختلف النتائج التي ترتّبت عن هذين العاملين في بنيات التاريخ والوعي الإسلامي المعاصر . ولا يمكن التقليل من أهمّية أي منهما أو إغفاله عند محاولة قراءة وفهم الحركة السلفية والخطاب السلفي . فهما معا يقدّمان العناصر المسهّلة لعملية فهم هذه الحركة ، وخاصّة في مرحلتها التأسيسية ، مرحلة « السلفية النهضوية » . فقد جاءت نصوصهما معبّرة عن ردود فعل الوعي الإسلامي المستجد أمام أحوال المسلمين ، وأمام المتغيّرات الجديدة التي عرفها المحيط الاجتماعي الإسلامي نتيجة لبدايات التغلغل الاستعماري الغربي . ومن المؤكّد أن هذه الحركة لم تكن تشكّل التعبير الوحيد عن الظرفية التاريخية المؤطرة للمحيط الإسلامي . فقد ساهمت متغيّرات وثوابت الظرفية المذكورة في صياغة أكثر من موقف فكري ، وهو أمر يعبّر عن جدلية فكرية تاريخية ما زالت امتداداتها تملأ ساخة النظر العربي الإسلامي إلى يومنا هذا . ( كمال عبد اللطيف ، مفاهيم ملتبسة عربية ، 28 ، 19 ) .