جيرار جهامي ، سميح دغيم
1085
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
التقليدي عن مفهوم الحقيقة ، وهذا ليس بالأمر اليسير لأن هذا التصوّر التقليدي مرسّخ في أذهاننا منذ الطفولة . ( أركون ، نقد العقل الديني ، 166 ، 17 ) . - لقد جرى العرف عند فريق من الفلاسفة الواقعيين بأن يعرّفوا « الحقيقة » بأنها مطابقة الصورة التي في الذهن للشيء الموجود خارج الذهن . ولكن مما هو واضح لأدنى تأمّل أن الإنسان لا يستطيع أن يخرج من مجال الفكر لكي يكتشف مطابقة الفكر للوجود الخارجي ؛ وواضح كذلك أن الحقيقة لا يمكن أن تكون موجودة خارج الفكر ؛ فليست الحقيقة شيئا « برّانيّا » عن الفكر ، بل هي « جوّانية » فيه : لأن النموذج أو المثال الذي يراد للفكر أن يطابقه موجود على نحو ما ، في الفكر نفسه ، وإن يكن بلوغه مشروطا بشروط معيّنة . ( عثمان أمين ، الجوّانية ، 260 ، 16 ) . - الفرق كبير بين الحقيقة من حيث كونها مفهوما نظريّا يتّسم به الإدراك المجرّد ، وبينها كحقيقة فاعلة مؤثّرة تلهم الإنسان أضرب نشاطه المادي . ولقد تصبح الحقيقة من حيث كونها عاملا اجتماعيّا ذات تأثير ضارّ ، عندما لا تتمشّى مع دوافع التطوّر والتغيير ، فتصبح ذريعة إلى الكساد الفردي والاجتماعي ، وحينئذ لا تكون ملهمة للنشاط ، بل عاملا من عوامل الشلل . ولقد تكون هذه الحقيقة أساسا لعالم عاجز أشلّ ، من نوع ما ندّد به « رينان » و « لامانس » في قولتهما الشنيعة عن الإسلام : إنه « دين الركود والتخلّف » . هذا الشلل الأخلاقي ، وهو بلا مراء أخطر ما تخلّف عن عصر ما بعد الموحّدين ، يعجز المجتمع الإسلامي فيجعله غير قادر على زيادة جهده اللازم لنهوضه ، وما الشلل الفكري إلّا نتيجة من نتائجه : فالكفّ عن التكامل الخلقي ينتج حتما كفّا عن تعديل شرائط الحياة ، وعن التفكير في هذا التعديل . وهكذا يتجمّد الفكر ويتحجّر في عالم لم يعد يفكّر في شيء ، لأن تفكيره لم يعد يحتوي صورة الهمّ الاجتماعي . ( ابن نبي ، وجهة العالم الإسلامي ، 94 ، 3 ) . - ليست الحقيقة شيئا نبحث عنه أو نتحقّق منه . فهذا شأن الرؤية التقليدية ، والحديثة أيضا للحقيقة ، وقوامها أن هناك واقعة خفية نحاول كشفها والتثبت من وجودها ، أو أصلا أول نسعى إلى تجسيده والتطابق معه ، أو معنى مفارقا للحدث سابقا على التجربة ينبغي البحث عنه . هذه الرؤية قد انفجرت الآن : نحن ننتج المعنى فيما نحاول التعبير عنه ، ونجدّد الأصل بقدر ما نختلف عنه أو نعيد إنتاجه ، ونصنع الوقائع فيما نحاول إقرارها والنصّ عليها . وعندها لا تعود الحقيقة سوى ما يصنع ويتشكّل ، أو ما يختلف ويتغاير . ( علي حرب ، أوهام النخبة ، 56 ، 26 ) . - الحقيقة ليست جوهرا مكنونا نبحث عنه ، أو سرا دفينا نحاول اكتشافه ، أو فردوسا ضائعا نعمل على استعادته ، أو هدفا أسمى نسعى إلى الاقتراب منه ، بكلام أصرح : إنها ليست ما نكتشفه أو نبحث عنه أو نقترب منه أو نتماهى معه . إنها بالأحرى ما نمارسه