جيرار جهامي ، سميح دغيم

1054

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

سبيل التقدّم المادي بالنفس الإنسانية لتصبح مدمّرة ممزّقة تعيش في كهوف الخوف والشكّ والتشاؤم على النحو الذي نراه في الغرب ، وقد كان خليقا بهؤلاء الروّاد إن كانوا صادقين في النصح لأممهم - والرائد لا يكذب أهله - كان خليقا بهم أن يدرسوا تجربة الغرب ، وينظروا إلى مجتمعنا في ضوئها . إن موقعنا من الحضارة أن نحصل على العلم ، وأن ننقله في إطار لغتنا العربية ، وأن نحرّكه في إطار مفهوم الإسلام وقيمه العليا ، وأما أسلوب العيش الغربي ممثّلا في الأخلاق واللباس والزينة والمعاملة والعلاقات الاجتماعية بين الأسرة والأمّة ، وبين الأبوّة والبنوّة ، وبين الرجل والمرأة ، في ضوء هتافات صارخة للحرية ، وكسر الضوابط ، وإعلاء الأنانية والنفعية والتحلّل ، فهذا أسلوب من العيش لا صلة له بالعلم ، ولا حاجة لنا به . ( أنور الجندي ، الإطار الإسلامي للفكر المعاصر ، 170 ، 2 ) . - السرّ في مأساة الحضارة أن الإنسان صنعها لنفسه ، ولكنه ما كاد يتمّ صنعها لكل بني الإنسان حتى انزلقت من يده ، وتفلّتت من قبضته ، وحادت عن دربه ، ومالت عن سربه ، وابتعدت عن قلبه ، فطارت من لبّه ، وصارت حضارة بلا إنسان . . . مأساة الحضارة إذا دورانها في الفراغ ، بعد أن كان صانعها الإنسان يسدّ فيها كل فجوة ويملأ منها كل فراغ . وإذا كان علماء الاجتماع و « الأنثروبولوجيا » - القائمة على علم الإنسان - يؤكّدون أن الحضارة لا تنشأ في الفراغ ، فإنهم يرفضون رفضا حاسما استمرار الحضارة في الفراغ . وفي ماضي البشرية كلها ، في جميع الأجيال والأحقاب ، قام التتابع الحضاري على نهاية حضارة وبداية أخرى ، لتستمرّ الحياة ، ويحلّ البناء محلّ الخراب . إن ضياع قيمة الإنسان هو الذي أضاع قيمة الحضارة ، بل هو الذي خنق أنفاسها وانتزع روحها وحياتها ، بين جماد المتحرّك وتحرّك الجماد ، وبين انتصار الغريزة وانهزام العاطفة ، وبين نفاق السياسة وعزلة الدين . ( صبحي صالح ، الإسلام والحضارة ، 357 ، 9 ) . - تعريف « اندريه لالاند » للحضارة : « الحضارة ( في مقابل حالة الهمجية أو البربرية ) هي مجموع القسمات المشتركة بين الحضارات التي نرى أنها بلغت أرفع المستويات . . . وكل حضارة من هذه الحضارات هي مجموع مركّب من الظواهر الاجتماعية القابلة للنقل ، التي تمتاز بطابع ديني ، وأخلاقي ، وجماعي ، وتكنيكي أو علمي ، والتي تكون شائعة بين جميع أجزاء مجتمع واسع أو عدّة مجتمعات مترابطة . . . » إنه تعريف واسع ، ولكننا نلاحظ أنه يغفل دور عنصرين جذريين من عناصر الحضارة : الاقتصاد ، والتاريخ ( التراث ونتائج التطوّر التاريخي ) . وربما أراد لالاند لكلمة « تكنيك » أن تتّسع بحيث تشمل الاقتصاد بناحيتيه : القوى الإنتاجية والعلاقات الإنتاجية ؛ ولكن هذا تفسير سوف يقودنا إلى مناقشات أكاديمية لا تنتهي . يكفي أن نبدأ بتعريف « لالاند » مع إدخال التعديلات التي قمنا بها ، فتصبح كلمة « الحضارة » واضحة المعالم . الحضارة هي :