رفيق العجم
مقدمة 17
موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين
محمد بن إدريس الشافعي هو أول من وضع كتابا جامعا في هذا العلم . والدليل ما وصلنا من كتابه « الرسالة » . فقال ابن خلدون : « كان أول من كتب فيه - علم أصول الفقه - الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ، أملى فيه رسالته المشهورة ، تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس ، ثم كتب فقهاء الحنفية فيه » « 1 » . وذكر الإمام الرازي الرأي نفسه ، معتبرا نسبة أصول الفقه للشافعي كنسبة المنطق لأرسطو طاليس وعلم العروض للخليل بن أحمد « 2 » . وقال أيضا بروكلمان في كتابه ( تاريخ الأدب العربي ) : « ومذهب الشافعي ينحو إلى الجمع والتوفيق بين مذهب أهل الحديث الذي سار عليه مالك ، ومذهب أهل الرأي الذي أخذ به أبو حنيفة ، ويعدّ الشافعي مؤسس علم أصول الفقه ، الذي يرسم المناهج وينظّمها لاستخراج الأحكام من أدلتها ، ويحرر طرق الاجتهاد والاستنباط » . « 3 » أما الحنابلة فهم متأخرون وهم أقرب ما يكون إلى المالكية ، وإمامهم أحمد بن حنبل إمام الأخذ بالحديث والاعتماد عليه . وقد استقوا مادة فقههم من الفقه المالكي . ومن ثمّ أجمعت هذه المذاهب الخمس على اعتبار الأدلة أو الأصول أربعة كما قررها الشافعي ، وهي : القرآن والسنة والاجماع والرأي . فكان الرأي عند أبي حنيفة استحسانا ، وعند جعفر الصادق العقل ، وعند المالكية استصلاحا ، ولدى الشافعي وبعض الحنابلة قياسا . وخالفت الإمامية في مسألة الإجماع حيث قدّمت عليه رأي الإمام المعصوم الذي يجمع عليه من قبل الأمة . أعقب تأسيس علم الأصول نتاج فكري غزير في هذا المضمار ، حيث انشدّ كل إمام وعالم إلى مذهبه يوفيه شرحا عبر مصنّفات عديدة وآراء سديدة ، تقاطعت في المبادئ العامة واختلفت في المسائل الجزئية ، وفي الدليل الرابع تحديدا . واعتبر مؤرخو علم أصول الفقه أن هذا العلم انسلك في مدرستين ، ورأى البعض ظهور مدرسة ثالثة عملت على الفقه المقارن وجمعت الطريقتين أو المدرستين .
--> ( 1 ) ابن خلدون ، المقدمة ، ص 455 . ( 2 ) الرازي ، مناقب الإمام الشافعي ، ص 56 . ( 3 ) بروكلمان ، 3 / 293 / 1 .