جيرار جهامي
مقدمة 16
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف
لزمننا هذا - إلى صياغة مثل وآفاق جديدة تجعلنا نكتشف من جديد حميمية الوجود الإنساني » ، مع كل التحفّظات الضرورية للإبقاء على الانتماء الذاتي للذات قبل الانتماء للتاريخ « 1 » . ونحن نقول تعقيبا على هذا الموقف المنفتح على التطوّر الفكري إن الروح الرشدية ، كما الروح الخاصّة بكل فيلسوف ، أبقت لنا على هذه القواعد الاتصالية لنبني عليها مطوّرة أسس التعاطي مع الفكر المعاصر . فالتحدّي الذي نواجهه نحن أهل الثقافة يكمن في التصدّي لكل من يشاء الإنغلاق في جدليته وحواره مع الآخر على ثوابت أو شعارات سلطوية عقيدية تشكّل عائقا ابستمولوجيا نحو بلوغ فعل الفلسفة حقيقته العقلية ، بحريّة نيّرة يتجاوز بها التقليد والموروث في طلب العلم اليقيني . آنذاك نكون قد أسّسنا لفكر فلسفي عقلاني ، لا بل عالمي ، يتواءم ويختلف مع العقيدة والتراث ، مع الذات والآخر ( وإن أحجم عمليّا ابن رشد الفقيه عن القيام بهذه الثورة وذاك الانقلاب ) . علما أننا بتنا نطالب الآخر أيضا بموقف مماثل ، أنّى كانت ملّته ونحلته ، لملاقاتنا بانفتاح وتكافؤ وتبادل ثقافي ، يعترف فيه كل واحد منا بذاتيته متفاعلة مع ذاتية الآخر وميزاتها . بذا نستطيع أن نأتلف ونختلف مع القديم والحديث ، مع العقيدة والتأويل ، مع الحكمة والشريعة . فالتطلّع إلى الغيرية ( Alterite ) بات من مسلّمات كل تحقيق فلسفي نهضوي ضمن أطر ومبادئ العقل والبرهان . طبيعة مصطلحاته وأبعادها إن اللغة هي فعل بياني مورس لدى مفكّري العرب تأمينا للتواصل والاتصال بين مختلف العلوم الأصلية والدخيلة . ولذا تمّ تخريج المصطلحات واختراعها إلى حدّ بانت معه اللغة العربية مطواعة ومهيّئة لتقبّل الوافد عليها ، وهضمه ثم تحويله عبارة مستجدّة وتعبيرا عن الذهن العربي واللسان السامي النزعة . وهي عوامل وأغراض جعلتها تمرّ بمراحل أساسية ، تأرجحت فيها بين تفاعل الدخيل مع الأصيل في البدايات مع جابر بن حيّان والكندي على وقع تعابير المترجمين والنقلة . وفي مرحلة لاحقة برزت استقلالية اللغة الفلسفية إلى حدّ ما ، لا سيّما مع الفارابي ، مما أكسب المصطلح الفلسفي نضوجا واكتمالا لمجموعات لفظية . ثم اتّسمت كل مفردة منها بالعمق والتوالد في معانيها على يد ابن سينا في رسائله
--> ( 1 ) محمد المصباحي ، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد ، بيروت ، دار الطليعة ، 1998 ، ص 28 - 40 .