سميح دغيم

41

موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي

تخيّروه . وإذا تمنّوا لحم الطير النضيج خلق اللّه لهم لحم الطير نضيجا من غير حاجة إلى ذبح الطير وإيلامه . قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه : يخطر على قلبه الطير فيصير ممثّلا بين يديه على ما اشتهى . وهذا علم غفل عنه الأكثرون وأدركه المكاشفون إدراكا علميّا ذوقيّا بعد أن اعتقدوه اعتقادا إيمانيّا ، وربما يبلغ العارف إلى مقام يقال له " مقام كن " في عرفهم فيكون هذا حاله - وإن كان بعد في الدنيا - مثل حال أهل الجنّة ، فما يقول لشيء " كن " إلّا ويكون . ( تفسق ( 7 ) ، 32 ، 11 ) اختيار العبد - إنّ حصول الشكر من العبد بالاختيار مشروط بحصول الداعية فيه - سواء كانت بالاختيار ، فيستدعي داعية أخرى ، أو بالاضطرار ، فيكون من فعل الحقّ ، وعلى أي الوجهين ينتهي بالأخرة إلى حصول داعية ليست هي من فعل العبد ، بل من فعل اللّه الحاصل في العبد اضطرارا . وقد مرّ مرارا إن اختيار العبد ينتهي آخر الأمر إلى ما هو حاصل فيه بالاضطرار فإن علم الإنسان وداعيته مخلوقان للّه بالاتّفاق والنزاع ليس إلّا في ترتّب هذه الأمور وافتقار بعضها إلى بعض أو في عدم الترتيب . فإنّ الأشاعرة ومن يحذو حذوهم أنكروا حكمة اللّه في هذا الترتيب ، ونفوا القول بالعلّة والمعلول ، ولهذا أسندوا القبائح والشرور كلها إلى اللّه أولا وبالذات - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . ( تفسق ( 3 ) ، 382 ، 13 ) - إنّ لأهل الإيمان اقتدارا على استجلاب فضل اللّه وتمكّنا من استدرار رحمته ، ومفهوم الخلاف وإن لم يكن معتبرا عند الأكثر ، سيّما في مثل هذا المقام حيث عقّب بقوله : وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ( الحديد : 29 ) إلّا أنّه ممّا يمكن تصحيحه ههنا بوجه عقلي ، فإنّ الفضل وإن كان كله من عند اللّه بحسب مشيئته بلا تأثير لغيره في الإجارة ، وتوسيط لما سواه في الإفاضة ، لكن لابدّ من تعلّق المشيئة بواحد دون واحد من مخصّص لامتناع الترجيح من غير مرجّح - كما هو المذهب المنصور - . فللعبد اختيار في اكتساب المرجّح بتحصيل المعارف الإيمانية والعقائد الحقّة - أولا - ثم العمل بمقتضاها - ثانيا ، ثم الانتظار لهبوب رحمة اللّه وفضله - ثالثا - . فإنّ من حصّل المعرفة باللّه ورسول واليوم الآخر والاعتقاد والثواب للمحسن ، والعقاب للمسيء - وإن كان على وجه التقليد والظنّ - حصّل لنفسه تشوّق إلى تكميل جوهره بتحصيل اليقين والوصول إلى ثواب اللّه والتقرّب إليه ، فيبعثه ذلك على قمع الشهوات الظاهرة عن النفس - أولا - ثم على قلع الصفات الذميمة الباطنة عن القلب - ثانيا - ثم يختار العزلة والخلوة عمّا يشوّش ذكره ويوسوس طبعه فيجلس للمراقبة والذكر والفكر ، ثم يؤدّي به ذلك إلى أن يجعل همومه ومقاصده وأغراضه واحدا - هو التشوّق إلى طلب الحقّ - .