رفيق العجم
638
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
المصوّرة من واهب الصور ، فإذا صار عنها تشكيلات الأعضاء ، كان ذلك كونا للصورة العضوية ، وفسادا للصورة المنوية ، فيستعدّ حينئذ لقبوله الروح من واهبها . هذا هو السبب العادي في تكوين كل مولود ، وإذا ثبت ذلك ، فنقول : إن كل شيء له سبب قريب وسبب بعيد ، فالأكثر إضافته إلى سببه القريب ، فيقال عند رؤية الرياض الخضر : انظر إلى صنع المطر ، واللّه هو الصانع الحقيقي ! ! ولو رؤى نبات نضر على صلد ، والشمس في الأسد ( برج الأسد ) ، لقيل : انظر إلى صنع الإله ! ! فيصرّح بالسبب الحقيقي ، لفوات السبب العادي ! ! وإذا وضح هذان الأصلان ، نقول : السبب القريب في حق عيسى ، عليه السلام ، لمّا دلّ الدليل على عدم وقوعه ، أضيف تكوينه إلى السبب البعيد ، وهو الكلمة ؛ لأن كلّ أحد مخلوق بكلمة اللّه القائل بها لكل مخلوق : " كن " . فإذا هو كائن ! ! فلهذا السبب صرّح في حقّه بذلك ، إشارة إلى انتفاء السبب القريب العادي ، وأنه إنما كوّن الكلمة التي هي : " كن " من غير مني ! ! ! يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح ، ثمّ أوضح ذلك بقوله : " ألقاها إلى مريم " " يريد : أن الولد إنما يتكوّن من إلقاء المني إلى أمه ، وهذا المولود لم يخلق إلّا بإلقاء الكلمة إلى أمه ، التي هي عبارة عن الأمر بالتكوين ، فإذا ، الإلقاء مجازيّ ، وقد ورد مثل ذلك في حق آدم عليه السلام لما اشتركا في عد التكوين عن الأسباب العادية ، حيث قال جلّ من قائل : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ( ص : 75 ) . واللّه عزّ وجلّ ، لا يد له ، وإنّما المراد : خلقته بقدرتي ، إشارة إلى أنه لم يكوّن من مني ، وإنما كوّن بقدرته . يشير بذلك إلى فوات السبب العادي ، وإذا فات السبب العادي ، أضيف إلى السبب البعيد المشبّه بالحقيقي ، وهو كلمة اللّه عزّ وجلّ ، وقد أتى بالمماثلة صريحا ، فقال ( عزّ من قائل ) : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( آل عمران : 59 ) وكذلك أيضا قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ ( النساء : 171 ) . أي : وهو روح تكوينها صادر عنه ، منفكا عن الأسباب العادي التي يضاف إليها المسبّب عادة ، فالصلة في مكان الصفة للروح . ( ر ، 166 ، 10 ) - للمأمور سببان : أحدهما حقيقي : وهو الإرادة ، وهو السبب البعيد . والثاني : صيغة الأمر في العرف ، الدالّة على الإرادة . فتعود - حينئذ - القاعدة نفسها في إحالة الحكم على السبب القريب ، فقد ثبت . . . أن أهل العرف ، يعدّون الكلمة المأمور بها سببا ، ويحيلون الحكم عليها ، ويجعلون ما يقع بعدها مسبّبا عنها ، وإن كان له أسباب حقيقية أبعد منها . ( ر ، 170 ، 12 ) - الكلمة : هي لفظة مفردة ، تدلّ على ( معنى ) وعلى ( الزمان ) الذي ذلك المعنى موجود فيه لموضوع ما ، غير معيّن ( ع ، 80 ، 18 )