رفيق العجم

606

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

مرئي ، وإن ثبت لهم ذلك فقد استغنوا عن ذكر الشاهد والقياس ، وانتظمت حجّتهم بقولهم : " كل موجود مرئي ، والباري تعالى موجود ، فإذن هو مرئي " ، وهذا أصلان إذا سلّما لزم تسليم محل النزاع بالضرورة ، والأصل الأخير مسلّم وهو أن الباري موجود ، والممنوع هو الأصل الأول وهو قولنا : " كل موجود مرئي " ، فإن لم يثبت ذلك فلا حجّة ، وإن ثبت فهو حجّة دون الاستشهاد والقياس ، فيكون ذكر الجوهر والعرض حشوا كذلك اليهودي في مسألة ركوب البحر ، وقولنا : " كل موجود مرئي " ليس أوّليّا ، فيجب إثباته بالبرهان . فإن قيل : فإنما غرضهم في الاستشهاد إثبات ذلك . قلنا : وليس يثبت هذا بالاستشهاد ، فمن حاول هذا بمجرّد الاستشهاد فهو في شطط ، فمن يدّعي أن اللون مسموع - استشهادا بالصوت فإنه مسموع - كان كمن يدّعي أن الصوت مرئي استشهادا باللون فإنه مرئي ، وهذا الاستشهاد لا يغني ؛ إذ يمكن أن يقال : الصوت مسموع لكونه صوتا لا لكونه موجودا . فإن قيل : فيثبتون ذلك بالسبر والتقسيم . قلنا : مهما أثبتوا ذلك بتقسيم حاصر دائر بين النفي والإثبات على شرط التقسيم فيكون إثبات كون الوجود مصحّحا بالتقسيم لا بالقياس ، ثم : إثبات كون الباري بعد ذلك مرئيّا بالعموم لا بالقياس ؛ إذ عند ذلك يصحّ أن كل موجود مرئي والباري موجود فكان مرئيّا ، والتمسّك بالعموم لا يسمّى قياسا ، ولا السبر والتقسيم يسمّى قياسا ؛ فإنّا إذا قلنا : " العالم إما قديم وإما حادث ، وباطل أن يكون قديما لكذا وكذا ، فلزم أنه حادث " ، فلو أطلق مطلق اسم القياس على هذا كان متعسّفا بوضع الاسم في غير موضعه ، وكان مخالفا للفقهاء والأصوليين في اصطلاحهم ، وكان موافقا للمنطقيين في إطلاقهم اسم القياس على هذا وعلى التمسّك بالعموم أيضا ، ولو جاز هذا لجاز أن يسمّى التمسّك بالنص وبأخبار التواتر وسائر أسباب العموم قياسا ، وعند ذلك يرجع الخلاف إلى لفظ لا طائل له . ( أس ، 18 ، 11 ) - لفظ القياس مشترك : فقد يفهم منه الرأي المحض الذي يقابل التوقيف حتى يقال : " الشرع إما توقيف وإما قياس " ، وهذا الذي ننكره وهو الذي يتعرّض لتشنيع الظاهرية والتعليمية . أما إذا لم يرد به هذا المعنى فلا ننكره ، وهو أن يقال : الأحكام الشرعية تنقسم : إلى تعبّدات وتحكّمات جامدة لا تعقل معانيها - كرمي الأحجار إلى الجمرات في الحج - وإلى ما تعقل معانيها ومقاصد الشرع منها كما يعقل من استعمال الأحجار في الاستنجاء وأن المقصود منه تخفيف النجاسة ، وكما يعقل من صرف المال إلى الفقراء ، إذ المقصود إزالة حاجاتهم وفاقاتهم ، وهذا توقيف كما أن الرمي في الحج توقيف ، ولكن ذلك توقيف مجرّد لا يقترن به فهم مقصود الشرع من ذلك التوقيف ، وهذا يقترن به فهم مقصود معقول ، فيسمّى هذا النوع -