رفيق العجم

605

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

صحيحا - فلا يثبت بمجرّد هذا القياس . والدليل القاطع على بطلان القياس في العقل : أن الحكم إذا ثبت في شيء فمن أين يلزم أن يثبت ذلك الحكم في غيره ؟ لأن ذلك الغير مغاير - لا محالة - له في صفة ، ولأجله كان غيرا له ، وربما يكون الحكم منوطا بالوصف الذي فيه المغايرة ، فإذا انتفى انتفى الحكم ، وها هنا لا يخلو المعلّل : إما أن يدّعي أن الفرع مثل الأصل مطلقا ، أو يدّعي أنه مثله فيما هو مناط الحكم وعلّته : فإن ادّعى أنه مثل مطلقا فهو محال ؛ لأن المثلين لا وجود لهما في الأعيان أصلا ، ولو جاز ذلك لجاز وجود سوادين في محل واحد ، ولجاز أن يقال في كل شخص : إنه شخصان بل عشرة أشخاص ، لكن الكل متماثلة ، ولا فرق ولكن يقال : المثلية من ضرورتها اثنينيّة ، فالمثلان هما اثنان ، وكل اثنين فهما غيران هذا غير ذلك ، وذلك غير هذا ، وكيف يكون غيره إن لم يغايره بالاتّصاف بما لا يتّصف به الآخر ؟ وإذا غايره في ذلك لم يكن مثلا مطلقا ، نعمّ السوادان في محلين غيران ؛ إذ لهذا محلّ ليس للآخر ، فلا جرم ليسا مثلين مطلقا ، بل هما مثلان في السوادية ، والسوادان في زمانين في محل واحد - أيضا - متصوّران ؛ لأنهما متغايران بالزمان ، فلا جرم ليسا مثلين مطلقا ، بل هما مثلان في السوادية فلو فرض اتحاد الزمان والمحل لم يعقل سوادان في وقت واحد في محل واحد ؛ لأنه لا تبقى مغايرة فلا تبقى اثنينية ، فتحصل الوحدة وتنتفي المماثلة ، فإن المماثلة نسبة بين اثنين ، فإذا لم يكن عدد ولا كثرة فكيف تكون مماثلة ؟ فهذا إن ظنّ أن الفرع مثل الأصل مطلقا ، وهذا لا يظنّه عاقل . أما إن قال : " الفرع مثل الأصل فيما هو مناط الحكم وعلّته ، والافتراق بينهما في أمر خارج عن العلّة " ، فهذا إن ثبت له فهو مستغنى عن الاستشهاد به ، وصار ذكر الشاهد حشوا وفضولا مستغنى عنه ، وثبت عموم الحكم بعموم العلّة ، ويكون هذا تمسّكا بالعموم ، لا قياسا واستشهادا . ( أس ، 13 ، 2 ) - القياس في وضع اللسان يستدعي مقيسا ومقيسا عليه ؛ إذ يقال : " قاس النعل بالنعل " إذ سوّاه عليه ، فالقياس : هو حمل شيء على شيء في شيء بشيء ، أي : حمل فرع على أصل في حكم بعلّة ، فإطلاق اسم القياس على غير هذا ظلم على وضع الاسم . فإن قيل : فالمتكلّمون قاسوا ، وردّوا الغائب إلى الشاهد ، وأثبتوا علّة الأصل ثم ردّوا الفرع إليه ، فلم أنكرتموه ؟ فقد قالوا : الباري تعالى مرئيّ ؛ لأنه موجود ، قياسا على المرئيات من الأعراض والجواهر ، ثم انتهضوا فقالوا : الأعراض والجواهر إنما تصحّ رؤيتها لعلّة الوجود ، فالوجود هو المصحّح ، وإذا ثبت أنه المصحّح ثبت أن كل موجود مرئي ، والباري موجود ، فيجب أن يكون مرئيّا . قلنا : إن لم يثبت لهم أن كل موجود مرئي على العموم - حتى يكون هذا قضية عامة - فلا يمكنهم الحكم بأن الباري تعالى