رفيق العجم
603
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
ونزّل ذلك منزلة قياس تصريف المصادر ؛ فإنهم نصبوا لنا مثالا لتصريف الماضي والمستقبل والأمر والنهي والفاعل والمفعول ، وعرّفونا أن ذلك حكم كل مصدر إلا ما استثنوه بالنص ، فإذا أخذنا من القدرة القادر على وزن الفاعل لكل من له قدرة لم نكن قائسين ولا ملحقين باللغة شيئا بقياسنا ، بل نكون فيه متبعين لمجرّد التوقيف . أمّا إذا عرّفونا أن الاسم ليس في مقابلة مجرّد المعنى دون ملاحظة المحل وخصوصيته - بل هو في مقابلة المعنى في هذا المحل الخاص - فلا شكّ في أنه ليس لنا أن نخالف توقيفهم فنحكم عليهم بأن الاسم في لغتهم مطلق على المعنى في غير ذلك المحل ، وهذا كتسميتهم ولد الشاة - إذا كان صغيرا - سخلة ، فإنا نعلم أن هذا الاسم له بسبب صغره فإذا كبر زايله هذا الاسم ، ولكن ليس لنا أن نطلق هذا الاسم - بموجب لغتهم - على الصغير من الإنسان بل ولا على صغير الإبل والبقر ؛ فإنهم سمّوا صغير البقر : عجلا ، وصغير الإبل : فيصلا ، وصغير الإنسان : صبيا ، وجعلوا هذه الأسامي بإزاء الصغر مع ملاحظة خصوص المحل ، فالشاة الصغيرة سخلة ، والبقر الصغير عجل ، وكذلك سمّوا الفرس باعتبار ألوانها كميتا وأشقر وأبلق ، ثم لو وجدت تلك الألوان في ثوب أو في آنية - بل في حيوان آخر من حمار أو بقر - لو يسمّ به ، وليس لأحد أن يقيس عليهم فيقول : سميتم الملمع من البياض والسواد في الفرس أبلق ، فسمّوا بذلك الثياب والأواني وسائر الحيوانات . فهذا قسيم في مقابلة القسم الأول ، فهما واضحان في النفي والإثبات . القسم الثالث - وهو وسط بين الدرجتين - : أن ينقل عنهم اسم على خلاف قياس التصريف موضوع بإزاء معنى وهو مشتقّ من الاسم الذي هو بإزاء ذلك المعنى ، كالخمر فإنه مشتقّ من المخامرة أو التخمير لكن قياس التصريف أن يقال : " مخمّر أو مخامر " ، فإذا قالوا : " خمر " على غير القياس فهل يطلق - بموجب لغتهم - حيث يوجد ذلك المعنى وإن لم يكن في ذلك المحل حتى يسمّى المتّخذ من الذرة والشعير - إذا كان مسكرا - خمرا ؟ هذا محل الخلاف : فمن جهة أنه مشتقّ يشبه قياس تصريف المصادر ، ومن حيث إنه ليس على وزن التصريف يشبه اسم السخلة والكميت والأبلق ، فتردّدوا فيه . والحق : أنه لا قياس ، فإن حال أهل اللغة في هذا لا يعدو ثلاثة : إما أن عرّفونا أن الاسم بإزاء مجرّد المعنى من غير التفات إلى خصوص أوصاف المحل ، أو عرّفونا أنه لخصوص وصف المحل ، أو سكتوا عن القسمين جميعا : فإن عرّفونا أنه بإزاء مجرّد المعنى دون ملاحظة خصوص الصورة أطلقناه على مجرّد المعنى بتعريفهم وتوقيفهم ، ولا يكون ذلك قياسا ، بل يكون من جنس قياس التصريف . وإن عرّفونا أنه يطلق بالمعنى مع اعتبار خصوص المحل لم نخالف توقيفهم بالقياس ولم نحكم على