رفيق العجم
542
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
القرآن إذ حد المكرّر ما لا ينطوي على مزيد فائدة . وذكر الرحمة بعد ذكر العالمين وقبل ذكر ملك يوم الدين ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفضيل مجاري الرحمة . إحداهما تلتفت إلى خلق رب العالمين فإنه خلق كل واحد منهم على أكمل أنواعه وأفضلها وآتاه كل ما يحتاج إليه . فأحد العوالم التي خلقها عالم البهائم وأصغرها البعوض والذباب والعنكبوت والنحل . فانظر إلى البعوض كيف خلق أعضاءها فقد خلق عليها كل عضو خلقه على الفيل حتى خلق له خرطوما مستطيلا حادّ الرأس . . . فأما تعلّقه بقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فيشير إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الأنعام بالملك المؤبّد في مقابلة كلمة وعبادة . وشرح ذلك يطول . والمقصود أنه لا مكرّر في القرآن فإن رأيت شيئا مكرّرا من حيث الظاهر ، فانظر في سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته . فأما قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإشارة إلى الآخرة في المعاد ، وهو أحد الأقسام من الأصول مع الإشارة إلى معنى الملك والملك وذلك من صفات الجلال . وقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ يشتمل على ركنين عظيمين ، أحدهما : العبادة مع الإخلاص بالإضافة إليه خاصة وذلك هو روح الصراط المستقيم كما تعرفة من كتاب الصدق والإخلاص وكتاب ذمّ الجاه والرياء من كتاب الإحياء ، والثاني : اعتقاد أنه لا يستحقّ العبادة سواه وهو لباب عقيدة التوحيد ، وذلك بالتبري عن الحول والقوة ومعرفة أن اللّه منفرد بالأفعال كلها وأن العبد لا يستقلّ بنفسه دون معونته . فقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ إشارة إلى تحلية النفس بالعبادة والإخلاص ، وقوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إشارة إلى تزكيتها عن الشرك والالتفات إلى الحول والقوة . وقد ذكرنا أن مدار سلوك الصراط المستقيم على قسمين ، أحدهما : التزكية بنفي ما لا ينبغي ، والثانية : التحلية بتحصيل ما ينبغي ، وقد اشتمل عليهما كلمتان من جملة الفاتحة . وقوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ سؤال ودعاء وهو مخّ العبادة ، كما تعرفه من الأذكار والدعوات من كتب الأحياء وهو تنبيه على حاجة الإنسان إلى التضرّع والابتهال إلى اللّه تعالى وهو روح العبودية ، وتنبيه على أن أهم حاجاته الهداية إلى الصراط المستقيم إذ به السلوك إلى اللّه تعالى كما سبق ذكره . وأما قوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إلى آخر السورة هو تذكير لنعمته على أوليائه ونقمته وغضبه على أعدائه لتستثير الرغبة والرهبة من صميم الفؤاد . ( ج ، 38 ، 8 ) - اشتملت الفاتحة . . . على ثمانية أقسام : الذات ، والصفات ، والأفعال ، وذكر المعاد ، والصراط المستقيم بجميع طرفيه أعني التزكية والتحلية ، وذكر نعمة الأولياء ، وغضب الأعداء ، وذكر المعاد . ولم يخرج منه إلا قسمان : محاجة الكفّار ، وأحكام الفقهاء ، وهما الفنان اللذان