رفيق العجم

471

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

فيقضي فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ ، والحواس جواسيسه سوّاها ، وهي من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الحاضر يسخّرهم ويتصرّف فيهم استسخار الملك عبيده بل أشدّ وشرح ذلك يطول ، وقد شرحناه في كتاب عجائب القلب من كتب الإحياء . " السادسة " أن العين لا تبصر ما لا نهاية له فإنها تبصر صفات الأجسام المعلومات . والأجسام لا تتصوّر إلا متناهية والعقل يدرك المعقولات والمعقولات لا تتصوّر أن تكون متناهية . نعم إذا لاحظ العلوم المتحصّلة فلا يكون الحاضر الحاصل عنده إلا متناهيا لكن في قوته إدراك ما لا نهاية له . وشرح ذلك يطول فإن أردت له مثالا فخذ من الحساب فإنه يدرك الأعداد ولا نهاية لها بل يدرك تضعيفات الاثنين والثلاثة وسائر الأعداد ولا يتصوّر لها نهاية ، ويدرك أنواعا من النسب بين الأعداد ولا يتصوّر لها نهاية بل يدرك علمه بالشيء وعلمه بعلمه بالشيء وعلمه بعلمه بعلمه ، وقوته في هذا الوجه أيضا لا تقف عند نهاية . السابعة أن العين تدرك الكبير صغيرا فترى الشمس في مقدار مجرّد الكواكب في صورة دنانير منثورة على بساط أزرق ، والعقل يدرك أن الكواكب والشمس أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ، ويرى الكواكب ساكنة بل يرى الظل بين يديه ساكنا ويرى الصبي ساكنا في مقداره . والعقل يدرك أن الصبي يتحرّك في النمو والتزيّد على الدوام والظل متحرّك دائما والكواكب تتحرّك في كل لحظة أميالا كثيرة . . . فإن قلت نرى العقلاء يغلطون في نظرهم فاعلم أن خيالاتهم وأوهامهم قد تحكم باعتقادات يظنّون أن أحكامها أحكام العقل فالغلط منسوب إليها . . . فقد عرفت بهذا أن العين أولى باسم النور من النور المعروف المحسوس . ثم عرفت أن العقل أولى باسم النور من العين بل بينهما من التفاوت ما يصحّ أن يقال معه أنه أولى بل الحق أنه يستحقّ الاسم دونه . ( مش ، 113 ، 21 ) - أما العقل فيطلق ويراد به العقل الأول ، وهو الذي يعبّر عنه بالعقل . . . وهو الذي يعبّر عنه بالقلم . . . والإطلاق الثاني أن يطلق ويراد به النفس الإنسانية . والإطلاق الثالث أن يطلق ويراد به صفة النفس ، وهو بالنسبة إلى النفس كالبصر بالنسبة إلى العين ، وهي بواسطته مستعدّة لإدراك المعقولات ، كما أن العين بواسطة البصر مستعدّة لإدراك المحسوسات . ( مع ، 18 ، 3 ) - تظاهر العقل والشرع . . . إعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لم يتبيّن إلا بالعقل ؛ فالعقل كالأسّ والشرع كالبناء ، ولن يغني أسّ ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أسّ . وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر . فلهذا قال تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ