رفيق العجم

456

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

لنستفيد منه العلوم ونصدّقه فيها وليس كذلك ، فإن العلوم منقسمة إلى عقلية وسمعيّة ، أمّا العقلية فتنقسم إلى قطعيّة وظنّية ولكلّ واحد من القطع والظنّ مسلك يفضي إليه ويدلّ عليه . وتعلّم ذلك من كلّ من يعلمه ولو من أفسق الخلق ممكن ، فإنّه لا تقليد فيه وإنّما المتّبع وجه الدليل وأمّا السمعيّات فمسندها سماع إمّا متواتر وإمّا آحاد ، والمتواتر تشترك الكافّة في دركه ولا فرق بين الإمام وبين غيره ، والآحاد لا تفيد إلّا ظنّا سواء كان المبلّغ إليه أو المبلّغ الإمام أو غيره ، والعمل بالظنّ فيما يتعلّق بالعمليّات واجب شرعا والوصول إلى العلم فيه ليس بشرط ، ولذلك يجوز عندهم تصديق الدعاة المنتشرين في أقطار الأرض مع أنّه لا عصمة لهم أصلا . وكذلك كان ولاة رسول اللّه صلعم في زمانه ، فإذا لا حاجة إلى عصمة الإمام ، فإن العلوم يشترك في تحصيلها الكلّ والإمام لا يولد عالما ولا يوحى إليه ولكنّه متعلّم وطريق تعلّم غيره كتعلّمه من غير فرق ، فإن قيل فلماذا نحتاج إلى الإمام إذ كان يستغنى عنه في التعليم ؟ قلنا : ولماذا نحتاج في كلّ بلد إلى قاض ؟ وهل ندلّ بالاحتياج إليه على أنّه لا بدّ أن يكون معصوما ، فيقولون إنّما نحتاج إليه لدفع الخصومات وجمع شتات الأمور وجزم القول في المجتهدات وإقامة حدود اللّه تعالى واستيفاء حقوقه وصرفها إلى مستحقّيها ، إذ لا سبيل إلى تعطيلها فلا سبيل إلى تفويضها إلى كافّة الخلق ، فيتزاحمون عليها متقاتلين ويتكاسلون عنها متواكلين ومتخاذلين فيتعطّل الأمور . فجملة الدنيا في حقّ الإمام كبلدة واحدة في حقّ القاضي فكما يستغنى عن عصمة القاضي في البلد ويحتاج إلى قضائه فكذلك يستغنى عن عصمة الإمام ويحتاج إليه كما يحتاج إلى القضاة ، ولأمور أخر كلّيّة سياسة من حراسة الإسلام والذبّ عن بيضته والنّصال دون حوزته وحشد العساكر والجنود إلى أهل الطغيان ، والعناد وتطهير وجه الأرض عن الطغاة والبغاة والساعين في الأرض بالفساد . ( فض ، 39 ، 15 ) عظيم - العظيم : إعلم أنّ اسم العظيم في أوّل الوضع إنّما أطلق على الأجسام . يقال : هذا جسم عظيم ، وهذا الجسم أعظم من ذلك الجسم ، إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه . ثمّ هو ينقسم إلى عظيم يملأ العين ويأخذ منها مأخذا ، وإلى ما لا يتصوّر أن يحيط البصر بجميع أطرافه ، كالأرض والسماء . فإنّ الفيل عظيم ، ولكنّ البصر قد يحيط بأطرافه ، فهو عظيم بالإضافة إلى ما دونه . وأمّا الأرض فلا يتصوّر أن يحيط البصر بأطرافها ، وكذا السماء . فذلك هو العظيم المطلق في مدرك البصر . فافهم أنّ في مدركات البصائر أيضا تفاوتا ، فمنها ما تحيط العقول بكنه حقيقته ومنها ما تقصر العقول عنه . وما تقصر العقول عنه ينقسم إلى ما يتصوّر أن يحيط به بعض العقول