رفيق العجم
380
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
تخلق للصبيان وإنما للصبيان شهوة اللعب فقط . فأنت تتعجّب من الصبيان في عكوفهم على لذّة اللعب وخلوّهم عن لذّة الرئاسة . والعارف يتعجّب منك في عكوفك على لذّة الجاه والرئاسة فإن الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب . ولما خلقت هذه الشهوة للعارفين كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم . ولا نسبة لتلك اللذّة إلى لذّة الشهوات الحسّية فإنها لذّة لا يعتريها الزوال . ولا يغيّرها الملال . بل لا تزال تتضاعف وتترادف وتزداد بزيادة المعرفة والأشواق فيها بخلاف سائر الشهوات ، إلا أن هذه الشهوة لا تخلق في الإنسان إلا بعد البلوغ أعني البلوغ إلى حدّ الرجال . ومن لم تخلق فيه فهو إما صبي لم تكمل فطرته لقبول هذه الشهوات . أو عنين أفسدت كدورات الدنيا وشهواتها فطرته الأصلية . فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة ولذّة النظر إلى جلال اللّه فهم في مطالعتهم جمال الحضرة الربوبية في جنة عرضها السماوات والأرض ، بل أكثر وهي جنة عالية قطوفها دانية فإن فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة إذ لا مضايقة للمعارف . والعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذّات اللعب . ولذلك تراهم مستوحشين من الخلق ويؤثرون العزلة والخلوة فهي أحب الأشياء إليهم ويهربون من الجاه والمال ، فإنه يشغلهم عن لذّة المناجاة ويعرضون عن الأهل والولد ترفّعا عن الاشتغال بهم عن اللّه تعالى ، فترى الناس يضحكون منهم فيقولون في حق من يرونه منهم أنه موسوس بل مدبّر ظهر عليه مبادئ الجنون وهم يضحكون على الناس لقناعتهم بمتاع الدنيا ويقولون إن تسخروا منا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون . والعارفون مشغولون بتهيئة سفينة النجاة لغيره ولنفسه لعلمه بخطر المعاد فيضحك على أهل الغفلة ضحك العاقل على الصبيان إذا اشتغلوا باللعب والصولجان وقد أضلّ على البلد سلطان قاهر يريد أن يغيّر على البلد فيقتل بعضهم ويخلع بعضهم . ( ج ، 50 ، 1 ) شوق أول - الشوق الأول ينتهي في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمّى رؤية ولقاء ومشاهدة ، ولا يتصوّر أن يسكن في الدنيا ، وقد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال : قلت ذات يوم ؛ يا رب إن أعطيت أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضرّ بي القلق ، قال : فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه وقال : يا إبراهيم أما استحييت مني أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه ، فقلت يا رب تهت في حبّك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلّمني ما أقول ، فقال : قل اللّهم رضني بقضائك وصبّرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك . فإن هذا الشوق يسكن في الآخرة . ( ح 4 ، 341 ، 24 )