رفيق العجم

مقدمة 41

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

ثم ما لبثت هذه الأفكار والعقائد أن لاقت رواجا في أطراف الدولة الإسلامية ، واتّخذت فروعا وفرقا وتيّارات : منها المعتدل ومنها المتطرّف ، بعضها استمرّ في توازن مع الشريعة ، والبعض الآخر غالى إلى حدود القفز فوق الشريعة الظاهرة ، مدّعيا إلمامه بعلم الباطن وحقائق الأشياء . واتّبع الفريق الأكبر من هذه التيارات الدعوة العادية ووصل منه قسم للسلطة ، فأقام الدولة الفاطمية . بينما سلك فريق مسلك الاغتيال والغصب والعدوان . وقف الغزالي حيال هذه الآراء العقائدية والأحداث الاجتماعية التي حفرت في مجريات المجتمع والثقافة موقفا واضحا . فعلاوة على تبنّيه المذهب الشافعي ، ودفعه الخط الأشعري دفعا عقائديّا متينا عبر الكتابات ، اتّخذ جانبا عقائديّا ضدّ الإمامة . فردّ على مدّعيها من القائلين بأحقية أحفاد الإمام علي رضي اللّه عنهم وعصمتهم في الخلافة ، وعلى فكرة المهدي المنتظر . واتّخذ موقفا سياسيّا مؤيّدا لنظام الملك والخليفة العباسي . وتشهد على ذلك مؤلّفاته . وأشهرها : « فضائح الباطنية أو المستظهري في الرد على الباطنية » . كما ضمّن هجومه على الفكرة الباطنية الشيعية في العصمة بعض فقرات وتلميحات في كتب أخرى مثل : القسطاس المستقيم ، والتبر المسبوك ، وفيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة . ونسوق الشواهد على ذلك : « فأنت إذا أخذت اعتقاد العصمة في الإمام الصادق ، بل في محمد ، عليه السلام ، تقليدا من الوالدين والرفقاء لم تتميّز عن اليهود والمجوس » . ( القسطاس المستقيم ، تقديم فكتور شلحت ، بيروت ، دار المشرق ، 1983 ، ص 79 ) . « أما الباطنية فإنما لقّبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللبّ من القشر . . . وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معيّنة . . . وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع ، فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد موجب الظواهر قدروا على الحكم بدعوى الباطن ، على حسب ما يوجب الانسلاخ عن قواعد الدين ، إذ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة ، فلا يبقى للشرع عصام يرجع إليه ويعوّل عليه » . ( فضائح الباطنية ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، القاهرة ، الدار القومية للطباعة ، 1964 ، ص 11 ) . وينبري الغزالي في طرقه الدعائية وحجاجه لتبيان تهافت العقيدة الباطنية فيشكّك بمعتقدهم قائلا : « اتّفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردّد أنهم قائلون - الباطنية - بإلهين قديمين ، لا أول لوجودهما من حيث الزمان ، إلا أن أحدهما علّة لوجود الثاني . . . » . ( فضائح الباطنية ، ص 38 ) .