رفيق العجم
332
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
أنّ الدنيا لا شيء فيكون كمن ترك خزفه وأخذ جوهره ، فلا يرى ذلك معاوضة ، ولا يرى نفسه تاركا شيئا ، والدنيا بالإضافة إلى اللّه تعالى ، ونعيم الآخرة أخسّ من خزفة بالإضافة إلى جوهرة ، فهذا هو الكمال في الزهد . وسببه كمال المعرفة ، ومثل هذا الزاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا ، كما أنّ تارك الخزفة بالجوهرة أمن من طلب الإقالة في البيع . ( ح 4 ، 239 ، 23 ) - للزهد ، فيه أيضا ثلاثة درجات : أعلاها : أن لا يطلق موضعا خاصّا لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب الصفة . وأوسطها : أن يطلب موضعا خاصّا لنفسه مثل كوخ مبني من سعف أو خصّ أو ما يشبهه . وأدناها : أن يطلب حجرة مبنيّة إما بشراء أو إجارة ؛ فإن كان قدر سعة المسكن على قدر حاجته من غير زيادة ولم يكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات الزهد . ( ح 4 ، 249 ، 18 ) - قال يحيى بن معاذ : علامة الزهد ثلاث : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعزّ بلا رئاسة . ( ح 4 ، 257 ، 19 ) - للزهد في الدنيا حقيقة وأصل وثمرة . أما حقيقته فهو عزوف النفس عن الدنيا وانزواؤها عنها طوعا مع القدرة عليها ، وأصلها العلم والنور الذي يشرق في القلب حتى ينشرح به الصدر ، ويتّضح به أنّ الآخرة خير وأبقى ، وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة أقلّ من نسبة خزفة إلى جوهرة ، وثمرتها القناعة من الدنيا بقدر الضرورة ، وهو قدر زاد الراكب . فالأصل نور المعرفة ، فيثمر حال الإنزواء ، ويظهر على الجوارح بالكفّ إلا عن قدر الضرورة في زاد الطريق . ( أر ، 154 ، 13 ) - الزهد على درجات : إحداها ، أن يزهد ونفسه مائلة إلى الدنيا ولكن يجاهدها وهذا متزهّد ، وليس بزاهد . ولكن بداية الزهد والتزهّد . الثانية ، أن تفرّ نفسه عن الدنيا ولا تميل إليها ، لعلمه أن الجمع بينها وبين نعيم الآخرة غير ممكن ، فتسمح نفسه بتركها ، كما تسمح نفس من يبذل درهما ليشتري جوهرة ، وإن كان الدرهم محبوبا عنده وهذا زهد . الثالثة ، أن لا تميل نفسه إلى الدنيا ولا تنفر عنها ، بل يكون وجودها وعدمها عنده بمثابة واحدة ، ويكون المال عنده كالماء ، وخزانة اللّه تعالى كالبحر ، فلا يلتفت قلبه إليه رغبة ونفورا . وهذا هو الأكمل ، لأن الذي يبغض شيئا فهو مشغول به ، كالذي يحبه . ( أر ، 157 ، 12 ) - كمال الزهد ، هو الزهد في الزهد ، بأن لا يعتدّ به ولا يراه منصبا . فإن من ترك الدنيا وظنّ أنه ترك شيئا فقد عظّم الدنيا ، إذ الدنيا عند ذوي البصائر لا شيء . ( أر ، 158 ، 6 ) - الزهد باعتبار الباعث عليه على ثلاث درجات : إحداها ، أن يكون باعثه الخوف من النار وهذا زهد الخائفين . الثانية ، وهي أعلى منه أن يكون باعثه الرغبة في نعيم الآخرة . وهذا زهد الراجين . والعبادة على الرجاء أفضل منها على الخوف ، لأن